عاجل نيوز
محمد المبروك
تاريخ السودان العسكري والسياسي لطالما شهد حالات انشقاق مسلحة خرجت من رحم الجيش نفسه، لكنها لم تكن دومًا على ذات السوية في الأهداف، المبادئ، ولا في السلوك القتالي. فحين ننظر إلى تجربة الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) التي خاضت الحرب منذ عام 1983 بقيادة العقيد جون قرنق دي مبيور ورفاقه من ضباط الجيش السوداني، نجد أنفسنا أمام حالة سياسية وعسكرية مغايرة لما نشهده اليوم مع مليشيا الدعم السريع.
فمن الكتيبة 105 حامية بور، بقيادة المقدم كاربينو كوانين، انطلقت أولى شرارات التمرد الذي تحول لاحقًا إلى مشروع سياسي تفاوضي انتهى بتوقيع اتفاق السلام الشامل في 2005. ضمت الحركة في صفوفها ضباطًا عسكريين محترفين أمثال سلفاكير ميارديت، وليم نون، يوسف كوة، باقان أموم وغيرهم، ممن كانت رؤيتهم تقوم على صراع مع المركز ضمن أطر أيديولوجية واضحة، وقواعد اشتباك عسكرية شبه منضبطة رغم طول أمد الحرب.
وخلال 22 عامًا من القتال بين الحركة الشعبية والجيش السوداني، لم تسجل الحرب جرائم إبادة جماعية موثقة أو حملات اغتصاب جماعي أو تصفيات عرقية منهجية بحق المدنيين في الخرطوم، كما يحدث اليوم. بل كان التمرد، على دمويته، ذا سلوك عسكري تقليدي إلى حد كبير، هدفه فرض شروط تفاوض، وليس تفكيك الدولة السودانية أو تسييل مؤسساتها بالكامل.
أما في الحالة الحالية، ومع اندلاع حرب الدعم السريع ضد الدولة السودانية في أبريل 2023، فقد كشفت الوقائع عن وجه آخر مغاير تمامًا؛ مليشيا غير منضبطة، تفتقر للشرعية المؤسساتية، وتُحركها مصالح إقليمية ودولية، لا علاقة لها بأي أجندة وطنية. والنتيجة كانت سلسلة فظائع دامغة من نهب، اغتصاب، حرق، وتصفية على أسس عرقية، طالت المدنيين في الخرطوم، غرب السودان، وكردفان.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح:
حين يكون التمرد نتاج فكرة سياسية ناضجة ومطالب واضحة – مهما اختلفنا معها – فهو يظل قابلاً للتفاوض ومحدود الكارثة. لكن حين يكون التمرد مجرد أداة وظيفية في يد الخارج، مدفوعًا بأطماع السلطة والثروة، فهو يتحول إلى كارثة وطنية شاملة، لا تعترف بأرض ولا بشر، ولا تلتزم بأخلاق حرب أو قانون دولي.
إن الفرق بين “تمرد العقيدة” وتمرد “الأجرة”، هو ما يفسر لماذا لم تُحرق الخرطوم في حرب الجنوب، لكنها تدمرت بالكامل في حرب الدعم السريع.