أرض لاتنكسر | كيف سقطت تمبول واستباح الدعم السريع قري شرق الجزيرة |أكتوبر 2024 قصة كتبت بدماء الرجال
عاجل نيوز
🔰حكايات من حرب الكّرامة-أرض لاتنكسر
✴ القصة (36):
حين انفجر شعاع البطانة نارًا
📍 المحور الثاني – قصص الشهداء
✍🏽 نقيب / محمد عبدالرحمن هاشم القاضي
🪖 الموقع: منطقة وسط البطانة – ولاية القضارف
📆 الزمان: ديسمبر 2023 حتى أكتوبر 2024
🎖️ الشهيد: العميد الركن أحمد شاع الدين المنصور – من أبناء البطانة
🧭 الرفاق: المئات من الفرسان وجنود الحق من مختلف القبائل والبلدات
✍🏽 الحكاية:
في منتصف شهر ديسمبر من العام 2023، وبينما العميد الركن أحمد شاع الدين يؤدي مهامه بالفرقة 11 مشاة خشم القربة ، تلقى دعوة لحضور فعالية مجتمعية بمنطقة الصباغ وسط البطانة، كان الأمر عادياً لولا تزامن ذلك مع وصول قوات العدو إلى مدينة تمبول بعد سقوط مدينة ود مدني في 19 ديسمبر 2023، حينها جلس مع أعيان منطقة البطانة حول الخطر القادم وأن الصباغ أصبحت خط الدفاع الأول، بلا ساتر، بلا جيش، بلا نقطة ارتكاز.
كانت المسافة بين الصباغ ومدينة تمبول 150 كلم بلا أي حواجز ولا وجود عسكري ، كانت سهلا منبسطا بلا أي تضاريس، لم تكن المسافة سوى ساعتين من الزمن، وبعد الصباغ كان الطريق مفتوح إلى حلفا الجديدة ثم بقية مدن الشرق دون حامٍ أو سد.
أدرك العميد ركن شاع الدين الخطر القادم، وقال في نفسه:
“البطانة كلّها مكشوفة، الفاو من الجنوب ، شندي من الشمال ، سيدون من الشمال الشرقي ، من حفير الكمالاب حتى شرق الجزيرة .. لا قوة تحمي ولا حتى تنذر بقدوم الخطر ”
عاد العميد شاع الدين إلى الفرقة 11 مشاة ، ووقف أمام القيادة قائلًا:
“أنا ما قائد إمداد فقط… أنا ود البطانة، وهؤلاء أهلي، خلوني أرجع وأحمي الأرض دي بجنودها، بأهلها، بترابها ”
منحوه عربتين قتاليتين علي ان تكتمل القوة لاحقا وتفويضا بفتح معسكر حيث يشاء لم يتردد عاد إلى البطانة ، بنى أول كُرنك بجبال الروا شمال غرب الصباغ، ثم جمع من يستطيع من أبناء المنطقة في القوات النظامية ، الرائد أمن عبد الوهاب شحم البل، الملازم أول عثمان ابراهيم الغنومابي، الرائد لؤي محمد عظيم ، جمع عدد من السيارات من قيادة المنطقة الشرقية، دبت الحياة في المعسكر، كرنكا إثر كرنك، ثم بدأ ينادي أولاد القبائل بشيوخهم ونظارهم ، جاءوا من كل صوب، حشد الناس واستنفر أولي العزم، قرر اهل البطانة أن يشتروا السلاح من مالهم الخاص، باعوا ما يملكون، استدانوا، وانطلقوا.
وبدأ العمل:
• حُفرت الخنادق حول جبل الروا
• نُصبت الحراسات.
• نُفذ أول ارتكاز شعبي/عسكري في وسط البطانة
تحركت الدوريات تجوب البطانة من اقصاها الي اقصاها، من الهشيب والعديدات جنوبا حتى اسنبير شمالا مرورا بالصباغ والصفية والحجر وود بشارة وام رويشد والقليتة وكافة فرقان البطانة الوسطى ..
تمت ضبطيات كبيرة للوقود والسلاح المهرب للمليشيا، كانت غنائم أسهمت في تعزيز قوة وصلابة معسكر وحامية الروا، صارت الروا قبلة للباحثين عن استرداد الحق وتحرير الأرض .
حضر الناظر أب سن ناظر عموم الشكرية، دق خيمته واستنفر اهل البطانة جمع من كل عشيرك ثلاثين شابا بزادهم وسيارتهم وخيمتهم، أشرف على تدريبهم واستيفاء جرعات القتال وعمل الميدان .
لم يكن في هذه القوة نظاميون كُثر، بل رجالٌ قرروا أن يصنعوا التاريخ بأيديهم.
🛡️ الدعم الشعبي: حين أصبح الناس دولة:
كانت القوة قائمة بالكامل على دعم إنسان البطانة:
• التعيينات الغذائية من البهائم.
• الوقود يوفره أحد أبناء “بُريدة” – يُدعى أب جيقة – صاحب شركات تعدين، كان يُرسل كل أسبوع عشرة براميل جازولين وبنزين ، ويغير زيوت العربات، ويشتري المصافي والاسبيرات من حرّ ماله، يجلب أجهزة الاستارلينك ووحدات الطاقة الشمسية للمعسكر ..
• برز رجال مثل:�
◦ العمدة عز الدين الجبورابي – عمدة الجبوراب
◦ الشيخ الضو الشولة – شيخ المهيدات
◦ العمدة حسن ود أب صرة – عمدة النوراب بالصباغ
◦ المعتمد محمد إبراهيم النورابي
◦ اب علي ود النور�هؤلاء لم يقدموا مجرد مال، بل جاؤوا بأرواحهم.
🔥 نواة الجيش تتشكل:
في هذه الأثناء بدأت الدولة ترى بعين جديدة ما يحدث، فجاءت المساندة:
• دعم عسكري من القضارف:�
◦ رائد لؤي محمد عظيم من الحسّانية
◦ الملازم جمعة – من نيالا – الدفعة ١٩ تاهيلية
◦ ملازم أول ود الباشا – الدفعة ٦٣ – أُسر لاحقًا
◦ قوة من الاحتياطي المركزي
•
• ثم كتيبة جاءت لاحقًا:�
◦ الرائد أمين – الدفعة ٥٢
◦ الشهيد المقدم الزبير الكتوتابي
◦ الرائد محمد نعيم – الدفعة ٥٤
◦ النقيب يوسف – شهيد
◦ النقيب عثمان جبريل المهيدي
◦ الملازم أحمد الصادق الجراري
◦ الملازمان منذر ومجتبى
◦ النقيب عبد العزيز الكمالابي – الدفعة ٥٨
• النقيب ابراهيم الصديق القدورابي
بلغ عدد العربات المقاتلة 13 عربة في البدء، ثم دعمهم سلاح المظلات بقيادة الرائد لؤي بسبعة عربات، ليصل العدد إلى 20 عربة، ثم انضمت كتيبة إضافية بـ 30 عربة من القربة، فيها 186 مقاتل ، وكان من بينهم العقيد مختار.
هكذا… وُلد جيش من الأرض، من الناس، من القرى.
🤝 التحول الكبير: كيكل يعود إلى الوطن
في خضم التجهيز للمعركة، بدأ الشيخ الضو الشولة – عمدة المهيدات مع اخرين – بالتنسيق مع كيكل الذي أعلن نيته الانضمام للقوات المسلحة والتوبة عن التمرد، تم التواصل مع القيادة، الفريق ياسر العطا والفريق أول عبد الفتاح البرهان، وأُبلغ شاع الدين بالموافقة..
المعركة
الاحد 20 أكتوبر 2024
تحرك العميد شاع الدين من حامية الروا بعدد 67 سيارة، التقى بالقائد كيكل في جبل الأبايتور ، وتمت المقابلة الرسمية، ثم بعدها تحركا سويا مع قوة كيكل التي أنضمت، وكان مخططًا أن يتم استرداد مدينتي تمبول ورفاعة، وصل شاع الدين وكيكل حتى رفاعة، لكن الهجوم فشل في تمبول ، فعادت القوة لتعسكر بحفير ود عركي ..
الاثنين 21 أكتوبر 2024
تحركت القوة من حفير ود عركي نحو غابة السيال، جاء فزع من البطانة يُقدّر بـ 300 رجل، بعضهم في عربات “ملاكي”، كلهم متطوعون، منهم مجموعة المهيدات بقيادة الشهيد شولة والفارس العوض ود الطريفي، ثم مجموعة المهيدات بقيادة الشهيد عبد الناصر الاغبش والشهيد عمر عز الدين والشهيد محمد احمد المطوع ، ومجموعة البلعلاب المرافقة للشهيد شاع الدين، الشهيد هارون اب دقن والشهيد عمر العاسبيدو، فمكثت القوة في غابة السيال حتى المساء وكانت القلوب متعلقة بالنصر او لقاء الله في عزة وفخر ..
⚔️ المعركة الفاصلة
الثلاثاء 22 أكتوبر 2024
الساعة 12:00 صباحا
تحركت القوة نحو داخل تمبول من المحور الذي يقوده القائد كيكل ، حدثت بعض التغيرات، كانت هنالك غرفة متابعة للمعركة، فرأى البعض تأجيل الهجوم والانسحاب فكان رد القائد شاع الدين في الساعة
12:54 صباحا
(أقسم بالله ما انسحب، والبنسحب بملاهو ذخيرة)
كانت هذه الرسالة الكلمة الفصل ..
5:20 صباحا
بدأ الزئير.
انطلقت المعركة بثلاث محاور:
• كيكل من جهة شرق السوق
• شاع الدين من جنوب السوق وشرق المستشفى
• والمحور الثالث كان محور تثبيت لمنع الالتفاف بقيادة المقدم الشهيد الزبير الكتوتابي
كان شاع الدين في المقدمة، يردد على ضباطه :
اليوم دا يومي أنا .. دا يومي
كان حراسه يحيطونه ويمنعونه التقدم وتعريض نفسه للقناصة، وكان يغالبهم ..
تم استلام وسط تمبول، واحتفل المواطنين، لكن سرعان ما انقلبت الامور رأسا على عقب ..
أستشهد العشرات من أبناء البطانة
استشهد المقدم الزبير الكتوتابي
الملازم جمعة
اصيب الرائد لؤي عظيم وبينما هو على الارض يحاول الاوباش دهسه، يغطيه بالدوشكا الشهيد يوسف ود الشريقاوي ابن ال ١٧ عاما، والذي استلم الدوشكا بعد استشهاد الضارب، واعمل في الاعداء ناره .
ثم استشهد سائق التاتشر الذي يحمله، فكان تارة يقود التاتشر ليعيد تموضعه ويركب ليدوِّن الدوشكا والتاريخ معا فاعاد ذلك مرات حتى تم احراقه مع سيارته أمام قائده الرائد لؤي الذي أذهلته شجاعة ذلك الفتى (سيكون حكاية لحاله)..
ومثل قصص ود الشريقاوي الكثير والعجيب ..
11:00 صباحا
أصيب شاع الدين واستشهد .. وقد استشهد حراسه قبله فداءا وولاء لذلك الرجل ولشارة القوات المسلحة ولكرامة الوطن ..
لكن القتال استمر حتى 12:45 ظهرًا، رغم نفاد الذخائر في الساعة 9:30 صباحًا..
المعركة تحولت إلى قتال بالسونكي، بالعكاز، بالسكاكين، بالخناجر، بالسيف.
استشهد ود شراط الشاب الهادئ الصامت الباحث عن الشهادة، ثم هارون اب دقن، المطوع، شولة، عمر العاسبيدو، غازي العاقب، دعيتة الناجمابي، عمر عز الدين، الملازم جمعة، المقدم الزبير الكتوتابي، ود البلولة، ود اب شقل، عيسى النورابي، حميدة ود سليمان فارس استشهد دون أن يتراجع، حسن العمدة ، جاء بعربيته الملاكي، جلابيته على جسده، يحمل بندقيته هاجم مع الناس، واستشهد.
الخاتمة: شعاعٌ لا يُطفأ
أحمد شاع الدين لم يمت كجندي، بل كأمّة.
لم يكن ينتظر أمرًا من قيادة، بل أصدر الأوامر من ضميره.
جعل من جبل الروا قاعدة، ومن البطانة جيشًا، ومن الناس نارًا تحرق المعتدي.
حين استشهد، استشهد وهو يتقدم، لا ينسحب.
كان يرى الوطن أسمى من نجاته، وأطهر من الخوف.
وفي تمبول، لم تُروَ الأرض بماء، بل بدماء الرجال.
مات هو وحيداً (وخرج من ظهره جيش فيه أربعون ألف رجل )