عاجل نيوز
🔰القصة رقم (25) – الشهيد «سامي محمد نعيم»
محور: قصص الشهداء المعاشيين
💌العنوان: «العرّيشةُ الخضراء … قلبٌ لا يحترق»
📅الاستشهاد 21\2\2025
✍🏽النقيب/ محمد عبد الرحمن هاشم
«يا أخوي، أنا ساعٍ للشهادة؛ إن أدركتُها فموعدنا جنانُ العُلا»
— سامي محمد نعيم، في الطريق الدائري شرق النيل، قبيل الفجر بأيام
1. غارسُ روحه في تُراب الوطن
عرفته الجيليُّ شابّاً حييّاً، يبتسمُ كأنَّ وراء كلِّ ابتسامةٍ سماءً ممطرة.
أنهى دورته الأولى، ثم أعاد الخدمة قبل أن يُطوى ملفُّ خدمته؛ ستِّ سنواتٍ في أدغال الجنوب كأنها ستُورق الصمود في صدره. ولمّا اشتعلت نارُ أبريل، قَبَضَ على شهاداته، ومضى إلى الفرقة (3) شندي، يطلب السطرَ الذي يُكتب بالدم. رفض مكتباً أنيقاً ومكيّفاً بارداً، وقال لقائده: «لا أطيقُ انتظـارَ النصرِ من خلف الزجاج».
2. متحرّكُ شرق النيل … حين يقتادُ القلبُ بندقيتَه
في مساءٍ لزِجٍ برائحة البارود، تحرّك مع الكتيبة (103) شرق النيل.
اتصلتَ به — يا صاحبه — فسمعتَ هديرَ العجلات على الطريق الدائري.
قال: «إن لم ننزل العرقَ هنا، نُريقه غداً دماً هناك».
ثم استودعك اللهَ ومضى. وكان ذلك المساءُ آخرَ ما بقي من صوته في ذاكرة الهاتف.
3. جمعـةُ الصعود
خَامَسَتهُ رائحةُ الغروب؛ بلّغه مخبِرٌ أن خصماً تحصّن في بيتٍ مُوارٍ بالدخان.
لم ينتظر أحداً، دخل وحده كعاصفةٍ مقطوعةِ السلاسل.
ستةٌ قَتَلَهم ببندقيته، قبل أن يتسلّل سابعٌ من راكوبةٍ خلفية، ويُفرغُ في ظهره حقداً مرتجفاً.
نزف حتّى استسلم الليلُ للفجر، وفي أوّل خيطٍ من نهار الجمعة – آخر جمعةٍ في شعبان، 21 فبراير 2025 – كان قلبُه قد أودع سرَّه عند ربّه، وعاد هادئاً كما عرّفتَه المدينة.
4. العرّيشةُ التي لا تموت
في داره بالجيلي، عرّيشةٌ من عصيٍّ خشنةٍ تلبستها أسطورةٌ خضراء؛ لبلابٌ تسلّقها رغم سنينِ القحط وانقطاعِ الماء، وظلَّ يغمرها ورقاً ندياً، كأنما يأبى أن يُسقِط رايةَ الحياة.
حين أحرقت الحربُ الحيَّ كلَّه، أكلت جذوعاً وأمومتَ ظلال، لكن عرّيشة سامي بقيت كهفاً زمردياً، تُخبئ نداها عن عيون اللهب.
قال الجيرانُ: «كأن روحه تحرسها».
ذلك الخضارُ شهادةٌ أخرى؛ فإذا احترق الجسد بقى الأثرُ يبصقُ على الرماد.
5. ما بعد الحبّ الأخير
لكَ أن تتذكّر يده حين صافحتك آخر مرة؛ كانت خشنةً من الرمل، ساخنةً من توتر الدم، واثقةً كجذور السمر.
ولك أن تسمعَ الآن حفيفَ أوراق اللبلاب كلما هزّتْ ريحُ الليل العريشةَ، فتكاد تقول لك: «لم أَمُتْ … إنّـي حيٌّ أُورِقُ عند الله».
6. ختمُ الوفاء
اللهم إن سامي خرج طالباً رفعة رايتك، فكتب اسمه على حوافّ الغيم، وألقى لنا ظِلَّ عرّيشته علامةً على أن الدمَ النبيل لا يحترق.
فارزقنا صبراً وجهاداً يليقان بروحٍ آمنت، ومضت.
رحم الله الشهيد الرقيب/ سامي محمد نعيم، وغفر له، وجعل الفردوس الأعلى قراره، وجمعنا به حيثُ لا غصّة ولا فراق.