عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
راتب الـ44 مليوناً وسر تغيّر سياسات البنك.. عادل الباز يرد على منتقدي آمنة ميرغني تطورات صادمة ... قبل بلوغ الدبة.. اعتقال قائد بارز بالمليشيا حاول تسليم نفسه للجيش دفاعاً عن آمنة ميرغني.. عادل الباز يرد على منتقدي راتب محافظ بنك السودان اعترافات مرتزق كولومبي تكشف طريق المقاتلين الأجانب إلى نيالا عمليات نصب واسعة تستهدف السودانيين في مصر عبر تطبيق «بنكك».. والإمساك بأحد المحتالين واسترداد الأموا... مسيرة انتحارية تستهدف منزل قيادي رفيع بالقوة المشتركة في الأبيض.. ونجاته بأعجوبة بأوامر من أدم قارح .. جـ ريمة مروعة في منطقة أم هجيليج بدار الزيادية .. تصـ.فية 11 شاباً من أبناء ال... الكتلة الديمقراطية في تصريح صحفي حاسم: لن نعود إلى الماضي تحت لافتة الحوار ولن نقبل بصفقات إعادة توز... صاحب سيارة «التوسان» يروي تفاصيل واقعة شارع النيل بأمدرمان ويكشف ملابسات الفيديو المثير للجدل مشروع عقبة ياس.. صراع النفوذ يكشف أزمات شرق السودان

الصحفي اليمني – أنيس منصورالخرطوم… آخر امتحانٍ للعروبة، وأول دروس الكبرياء

الخرطوم آخر امتحان للعروبة وأول دروس الكبرياء

متابعات – عاجل نيوز

 

مدينة تتكلّم بالماء والكرامة

كانت صنعاء بالنسبة لي البداية الأولى لفهم المدن التي لا تموت، المدن التي تُعاند الخراب بابتسامةٍ من طينٍ وماءٍ ووردٍ. وحين وصلتُ الخرطوم، شعرتُ بشيءٍ مألوفٍ ينهض في داخلي. كأنني رأيتُ في النيل ما كنتُ أراه في جبال صنعاء، وفي وجوه السودانيين ما كنتُ أراه في أزقتها القديمة. هناك، في مفترق النيلين، يجلس التاريخ متكئًا على مائه الأزرق كشيخٍ غيور يروي للأبناء سيرة الكرامة، ويستعيد ملامح وطنٍ يولد في كل عناقٍ بين النيلين.

في الخرطوم… التاريخ يمشي على قدمين

الخرطوم كتابٌ مكتوبٌ بالماء والعرق، سطوره نيلان، وفصوله تتبدّل كما تتبدّل المواسم. هنا يسكن التاريخ جنبًا إلى جنبٍ مع العنفوان، وتجلس الكرامة في المقاهي إلى جوار التعب. رأيتُ الأطفال يركضون حفاةً ويضحكون رغم الحرب، والنساء يبعن الخبز بأعينٍ ترفض اليأس، والجنود يعودون من الجبهات مثقلين بالغبار ولكن وجوههم تضيء كما السنابل ساعة الحصاد. في هذه المدينة، كل حجرٍ له ذاكرة، وكل جدارٍ يروي حكاية وطنٍ لا يُكسر.

السودان… النيل الذي لا يشيخ

تحت سماء الخرطوم، لا شيء يبدو عاديًا؛ حتى رائحة البنّ في المقاهي الصغيرة تشبه نكهة البطولة. هنا الغبار يحمل رماد الحروب القديمة، والنيل يجري ببطءٍ كأنه يتأمّل أبناءه الذين ما زالوا يقاتلون من أجل أن يظلّوا كما أرادهم الله: فقراء في الجيب، أغنياء في الكبرياء. السودان، البلد الذي يحاول العالم منذ قرنٍ أن يُعيد صياغته على هواه، ما يزال كما هو… بسيطٌ في مظهره، عظيمٌ في جوهره، عزيزٌ على نفسه مهما اشتدت العواصف.

دويلةٌ من الرمل تحاول تعليم النهر

ثمّة ما يثير السخرية حين تحاول الإمارات أن “تعطي الدروس” للسودان. نعم، السودان الذي كان يزرع القطن حين كانت الإمارات تزرع الخيام، والذي كان يصنع التاريخ حين كانت هي تصنع الإعلانات. دولةٌ لا يتجاوز تاريخها عمرَ نخلةٍ واحدة، تحاول أن تملي على بلد الألف حضارةٍ ما معنى الكرامة والسيادة! هل رأيتم من قبل نملةً تُحاضر في فيلٍ عن فنون السير؟ السودان نهرٌ من الكبرياء لا يُقاس بمقاييس النفط، ولا تُشترى كرامته بالدرهم.

المال لا يصنع وطنًا

تشتري الإمارات الجيوش كما تشتري الشاشات، وتظن أن الأوطان تُدار كما تُدار المولات. لكنها لا تفهم أن السودان ليس مولًا، بل ضميرًا من طينٍ ونيل. في السودان يمكنك أن تشتري الخبز، لا أن تشتري ضمير الخبّاز. يمكنك أن تشتري البندقية، لا أن تشتري أصابع المقاتل التي تضغط الزناد من أجل وطنها. الخرطوم ليست برنامجًا في قناة، ولا تُقاد من شاشات “أبوظبي الإعلامية”. إنها تُدار من نبض أبنائها، من عرقهم، ومن كبريائهم الذي لا يُشترى.

الخوف من السودان

الحقيقة أن الإمارات لا تكره السودان فقط، بل تخافه. تخاف من حضارته القديمة لأنها تفضح عمرها القصير، ومن فقره النبيل لأنه يذكّرها بأن الغنى لا يُنبت كرامة. تخاف من جيشه الذي يقاتل من أجل التراب، لأن جنودها يقاتلون من أجل الرواتب. السودان لم يطلب منها شيئًا، لم يركع، ولم يبع موقفه. بلدٌ إذا جاع أكل من ترابه، وإذا تعب شرب من نيله، وإذا حورب قاتل وحده. هذا ما يُرعب من لا يعرف معنى الاستقلال.

الخرطوم تردّ بالصمت

حين تحدثتُ مع أهل الخرطوم، رأيتُ الغضب في عيونهم؛ غضبًا نبيلاً يليق بشعبٍ صبورٍ لكنه لا يُهان. قال لي رجلٌ في السوق: “نحن لم نعد نغضب حين يهاجمنا عدوٌّ، بل حين يطعننا من كنا نحسبه عربيًا.” قالها بوجعٍ يشبه الشعر. في السودان لا يردّ الناس بالصراخ، بل بالثبات، كما يردّ النيل على الحجارة: يحتفظ بها في أعماقه حتى يُصقلها الزمن. هكذا يواجه هذا الشعب الخيانة، وهكذا يحوّل الألم إلى درسٍ في الكبرياء.

السودان… ضمير القارة

الإمارات لا تحارب جيشًا ولا حكومة، بل روحًا تمتد آلاف السنين في عمق إفريقيا. تحارب ممالك قديمة علّمت العالم كيف يُبنى العزّ على الطين، وكيف يصمد الإنسان حين يخذله الجار قبل العدو. الخرطوم لا تردّ بالضجيج، بل بالسكينة التي تسبق الانفجار. فهي مدينة تعرف قدرها، تعرف أنها آخر امتحانٍ للعروبة، وأول دروس الكبرياء. من أراد أن يعرف معنى الصبر والعزة، فليأتِ إلى الخرطوم؛ فهنا يتكلّم التاريخ بصوت النيل.

ختامًا… دروس النيل

في الليل، جلستُ على ضفة النيل الأزرق. كانت المدينة تلمع كالجرح القديم في جسد التاريخ. تذكّرتُ صنعاء ودمشق وبغداد، وقلتُ في نفسي: الخرطوم هي آخر ما تبقّى من معنى الأصالة. بلدٌ يعرف متى يسكت ومتى يثور، متى يضحك وهو ينزف. بلدٌ لا يُهزم لأنه لا يُباع، ولا يُشترى لأنه لا يُساوم. السودان، يا سادة، نهرٌ من الكبرياء يجري في عروق إفريقيا والعروبة معًا، وسيبقى ما بقي النيل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.