القاهرة ترسم خطوطًا حمراء وتربط وحدة السودان بأمنها القومي.
متابعات –عاجل نيوز
تحليل – محمد بلال كوداوي
لم يكن البيان الأخير الصادر عن الرئاسة المصرية بشأن تطورات الأوضاع في السودان مجرّد تعبير دبلوماسي تقليدي عن القلق، .
بل عكس تحولًا نوعيًا في مقاربة القاهرة للأزمة السودانية، وانتقالًا واضحًا من خانة المتابعة السياسية إلى مربع الأمن القومي المباشر.
اللغة المستخدمة هذه المرة بدت أكثر صراحة وحسمًا، حيث برزت مصطلحات غير معتادة في بيانات المجاملة الإقليمية، من بينها الحديث عن خطوط حمراء، وكيانات موازية، واتفاقية دفاع مشترك، وهي مفردات لا تُستحضر عادة إلا حين تبلغ التهديدات مستوى استراتيجيًا يستدعي التحذير العلني.
ويطرح هذا التحول تساؤلًا مشروعًا حول توقيته، لا سيما بعد سنوات من حرب مدمّرة أنهكت السودان وشرّدت الملايين. غير أن الإجابة، وفق قراءة المشهد، لا تتعلق بطول أمد الصراع بقدر ما ترتبط بتغيّر طبيعته ومساره.
فما يجري اليوم يتجاوز كونه نزاعًا داخليًا، ويتجه نحو محاولات فرض واقع سياسي موازٍ أو إنتاج سلطة أمر واقع، بما ينذر بتفكيك الدولة من الداخل.
وتكمن خطورة هذه المرحلة في أنها تفتح الباب أمام شرعنة الفوضى، لا داخل السودان وحده، بل على مستوى الإقليم بأسره، حيث أن انهيار الدولة السودانية أو تفكيكها إلى كيانات متنازعة من شأنه أن يُحدث ارتدادات أمنية وجيوسياسية تتجاوز حدودها الجغرافية.
عندما تؤكد القاهرة أن وحدة السودان وسلامة أراضيه تمس أمنها القومي بشكل مباشر، فهي تستند إلى معادلة جغرافية وتاريخية راسخة، مفادها أن استقرار مصر لا ينفصل عن وجود دولة سودانية موحدة وقادرة على بسط سيادتها.
ومن هذا المنطلق، جاء الرفض القاطع لفكرة الكيانات الموازية باعتباره جوهر البيان لا تفصيلًا عابرًا.
فالكيانات الموازية، بحسب التجارب الإقليمية، لا تؤدي إلى بناء دول، بل تخلق بيئات حاضنة لصراعات طويلة الأمد، واقتصادات ظل، وحدود رخوة، وأجيال مشبعة بالعنف وعدم الاستقرار.
أما الإشارة إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين، فتُعد من أكثر النقاط دلالة في البيان، إذ تحمل أبعادًا قانونية وسياسية واضحة.
فهي لا تعني بالضرورة استعدادًا فوريًا للتدخل العسكري، لكنها تؤكد أن القاهرة لم تعد تكتفي بدور المراقب، وأنها تحتفظ بهامش حركة مشروع في حال جرى تجاوز الخطوط التي أعلنتها صراحة.
وفي المقابل، يتعمّد البيان عدم الإعلان عن انحياز لطرف سوداني بعينه، كما يتجنب الإيحاء بأي نوايا وصاية أو تدخل سياسي مباشر.
غير أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن تفكيك الدولة السودانية أو العبث بوحدتها لم يعد شأنًا داخليًا معزولًا، بل قضية ذات أبعاد إقليمية تمس استقرار دول الجوار.
قد يكون البيان قد جاء متأخرًا نسبيًا، لكنه صدر في لحظة مفصلية، بات فيها السودان مهددًا ليس فقط باستمرار الحرب، بل بفقدان معنى الدولة نفسها.
وفي ظل تعثر المجتمع الدولي عن لعب دور حاسم، يبدو أن دول الجوار، وفي مقدمتها مصر، لم تعد مستعدة للوقوف موقف المتفرج بينما تقترب تداعيات الأزمة من حدودها المباشرة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة البيان المصري كإعلان حرب، بل باعتباره إعلان ردع وقائي يهدف إلى منع انهيار الدولة السودانية،.
ووضع سقف واضح لأي محاولات لتكريس واقع التفكك والفوضى في واحدة من أكثر دول الإقليم حساسية وتأثيرًا.