صديق محمد عثمان | الطريق خارج الأزمة الوطنية في السودان: نقد نيفاشا ومنهج الإقصاء
كيف قادت صفقات الحكم، تغييب الإرادة الوطنية، وتكرار أخطاء نيفاشا إلى الحرب الحادثة
متابعات – عاجل نيوز
الطريق خارج الأزمة الوطنية
حكى الاستاذ احمد عبدالرحمن محمد عليه الرحمة في لقاء تلفزيوني مع ضياء الدين بلال انه خلال مفاوضات نيفاشا ارسل اليه البروفيسور ابراهيم احمد عمر الامين العام للمؤتمر الوطني حينها مسودة الاتفاق النهائي لنيفاشا وطلب منه قراءتها وعدم اطلاع اي شخص آخر عليها وشدد عليه بأن هذه توجيهات الاستاذ علي عثمان محمد طه المفاوض الحكومي ونائب رئيس الجمهورية حينها.
ولكن عم احمد قال بانه بعد قراءة مسودة اتفاق نيفاشا سأل نفسه : ما الذي يجعلني أنا امتلك الحق في الاطلاع على هذا الاتفاق وابداء الرأي بشأن مسودته ولا يجعل لأخي ورفيقي عمر نورالدائم ذات الحق؟ ولم يتردد كثيرا ..
قال اخذت نسخة الاتفاق وذهبت إلى عمر نورالدائم في منزله وأعطيته النسخة وطلبت منه قراءتها في حضوري وتسجيل ما يراه من ملاحظات!! واخذ عم احمد نسخة مسودة الاتفاق وأعادها إلى بروف ابراهيم احمد عمر .
كان عم احمد حينها يشعر بخلل ما في طريقة التفاوض وإبرام اتفاق في شأن عام يمس كل شخص في البلد !! كان يشعر بعظم المسؤولية عن اتمام امر كهذا في غياب الآخرين شركاء الوطن !!
وعم احمد كان عليه الرحمة واحداً من اهم شخصيات الوفاق في البلد ولكنه في تلك الاثناء كان كغيره قد اقصته السياسة الصراعية الاقصائية فاصبح غاية جهده لا ان يعدل منهج التفاوض وقبله منهج الحكم نفسه وانما ان يبذل ما يستطيعه لتوسيع دايرة الرأي التي قد تعالج بعض جوانب القصور.
ولكن نيفاشا تمت بالطريقة التي صممت بها كصفقة بين قائدين حاول احدهما لاحقا استدراك خطا منهج التفاوض ونتايجه ودفع حياته ثمنا لانتهازيته خلال تلك المحاولة، وظل الاخر وفيا لالتزاماته حتى بعد انتهاء التفاوض.
وظهور عوار منهجه خلال الفترة الانتقالية اذ ظل الاستاذ علي عثمان حريصا على اتمام ما بدأه حتى النهاية فبرز مدافعا عن نتايج التفاوض واجراءات الانفصال بعبارات صادمة ( shoot to kill ) .
بل وقام فوق دولته يحرسها بالجنجويد ويمنع اي محاولات للتمرد في الكيان الخاص الذي كان قد حشر فيه اسلاميي الانقاذ من اصحاب الأشواق والتطلعات!!
ومنهج الإقصاء الذي صممت به مفاوضات نيفاشا هو نفسه الذي صممت به مفاوضات الإنقاذ مع حزب الامة في جيبوتي ومع التجمع الوطني في القاهرة ومع الحزب الاتحادي في جدة ، وهو منهج تبعيضي يقوم على صفقات لمعالجة أنصبة المعارضين في كراسي السلطة ولا يتناول قضايا الحكم وأزماته.
والسبب في ذلك ان التفاوض الحقيقي لم يكن بين السودانيين وانما بين إسلاميي الانقاذ يمثلهم شخص الاستاذ علي عثمان وبين الجهات الدولية التي تريد التاكد من صدق التزام اسلاميي الانقاذ بالإبقاء على نظامها السياسي الذي صممته لادارة مستعمرتها السابقة التي تسمى السودان.
ولذلك كان التفاوض بين الانقاذ ومعارضيها مجرد اختبارات لمصداقية وتمرين على انجاز مهام يتم تكليف الانقاذ بها وقد فاتحة لمهام اخرى كبيرة أنجزتها الانقاذ بهمة عالية جدا في مجال التعاون في ( الحرب على الارهاب ) .
و ( مكافحة الهجرة غير المشروعة ) و مكافحة الحركات الإسلامية دون ادنى سوال او مساهمة منها في فحص هذه التكاليف والمهام فقد كان الهدف يبرر الطريق والغاية تبرر الوسيلة والهدف والغاية.
هو القبول في نادي الحكومات الملتزمة بمصادرة اسباب وعناصر السيادة من شعبها وإبقاءها بيد الجهات التي تحكم العالم.
واذا نظرنا إلى واقعنا الحالي فالحرب التي تدور الان هي بقايا تلك الحقبة ونتيجة مباشرة من نتائجها فقد كان تشكيل الجنجويد اجراء مهم جدا في اطار توفير المناخ لنجاح الصفقات المركزية لاقتسام كراسي السلطة وإتمام انفصال الجنوب.
فدارفور كانت المعضلة التي لا تقبل ان تصبح حواشي في متن اتفاق نيفاشا كما هو الحال مع قضايا جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ولذلك كان ضروريا تسليمها للخراب والدمار واعادة تشكيل نسيجها الاجتماعي.
تحت حراسة دولية وللمفارقة كان ذلك الالتزام الوحيد الذي اوفى به المشرفون الدوليون على نيفاشا وهو ادخال قوات دولية تحرس مشروع اعادة تشكيل دارفور بعيدا عن قسمة الكراسي المركزية وعملية فصل الجنوب.
والذي يجري حاليا هو ذات المنهج الذي يقصي العمل السياسي تماما ويدير العمل العسكري من قبو القيادة العامة في رمزية بالغة للإرادة السياسية التي تدير عملية اكمال نيفاشا وتتطلع إلى نيل الجائزة التي لم ينالها الاستاذ علي عثمان سابقا !! .
ولكنها عقلية لا تقرا التاريخ ولا تملك ادوات تحليل الواقع الذي امامها فالتاريخ لا يسجل قائدا نال جايزة بعد قيادته عملية اعادة اخضاع أمته المتطلعة إلى الحرية ليس شاه ايران ولا السادات.
والواقع الحاضر يسجل طول وقوف السلطان اردوغان في صف تأشيرة الدخول للاتحاد الأوروبي كأطول مدة يقفها شخص في طابور انتظار رغم انه الأكثر جدارة واستحقاق واستيفاء لجميع متطلبات الحصول على تأشيرة الدخول .
بلدنا يعيش ازمة في حقيقتها وفي جذرها الأصلي هي ازمة غياب وتغييب الارادة الوطنية والعمل السياسي الصحيح ولا اعني به مجرد العمل الحزبي بل العمل السياسي الذي يقرر بشان شكل النظام السياسي ويعرف تفاصيله ويحدد عناصره وطبيعة الوظايف التي توكل إلى كل موسسة من مؤسساته ..
العمل السياسي الذي يستعيد السيادة للشعب وليس مجرد انتقال السلطة من الحاكم الإنجليزي إلى تلميذه الحاكم السودان مع الابقاء على السيادة عند الحاكم الاجنبي الذي يحكم العالم …
العمل السياسي الذي يملك روية كاملة للكون من حوّله تمكنه من الحكم بجنون ترمب واضطراب ومحدودية عقل ولي العهد السعودي لا ان يسارع إلى إعلان ترحيبه بخلافات ولي العهد السعودي مع رئيس دولة الإمارات ابن زايد ، فذلك عقل محدود الذي يخوض في هذا الوحل.
القيادة العسكرية التي تدير الحرب الان ليست مسؤولة عن العمل السياسي ولا ينبغي لها وهي تدير الحرب نيابة عنا وباسمنا وبالتالي فنحن مسؤولون فاما ان نواصل الاختباء ونقبل بمحاولات البعض تنصيب الفريق البرهان ( كاهنا ) و ( ماهنا) و ( رئيسا ) و ( زعيما ) رغم انفه وغصبا عنه ، .
ونواصل تغييب العمل السياسي الذي يبادر إلى مجتمعات وكيانات اجتماعية وجدت نفسها اسيرة لمليشيا الدعم السريع التي نصبتها وفرضتها عليها سلطة الخرطوم ثم عادت الان تحاسبها وتحاكمها على افعالها وتتهمها بالتمرد على الدولة ومعاداة الشعب ، .
العمل السياسي الذي يدير الحوار والجدال داخل البيت الوطني ويصرف ادعاءات وجهالات بعضنا البعض ويحق مزاعم اخرى فيها من الوجاهة ما فيها حتى وان كان عاجزا عن معالجتها وإنصافها فالحقوق والمظالم نصف علاجها في الاعتراف بها ونصفه الاخر في جبر أضرارها المادية فاذا وقع الاعتراف فان اي قدر من جبر الضرر يرفع نسبة المعالجة إلى فوق ال ٥٠٪ وهي نسبة نجاح !!
ولذلك فالمدخل للخروج من الأزمة يبدا بمعالجة مشروعية موسسات الانتقال واعادة تأسيسها بارادة وطنية غالبة تملك زمام مرجعيتها وليس العكس فالبرهان وكامل ادريس وبقية اعضاء موسسات الانتقال الحالية مجرد موظفي دولة وليسوا زعماء او قادة سياسيين.
ولم يدعوا ذلك والذين يحاولون إقناعهم بادعاء ذلك هم ذات الانتهازيين الذين لم يحركوا ساكنا من قبل كما فعل عمنا احمد عبدالرحمن محمد عليه وعلى الدكتور عمر نورالدايم الرحمة والمغفرة .