خبير عسكري يحلل استراتيجية إشغال الرأي العام في السودان
محمد مصطفى
تُعدّ استراتيجية إشغال الرأي العام واحدة من الأدوات غير المباشرة في إدارة الصراعات الحديثة، حيث يجري توجيه الانتباه الشعبي والإعلامي بعيدًا عن التحولات الميدانية الحاسمة نحو قضايا جانبية أو سجالات سياسية مطوّلة، بما يقلل من قدرة المجتمع على قراءة ما يجري على الأرض في توقيته الحقيقي.
ويرى الخبير العسكري محمد مصطفى أن هذا الأسلوب لم يعد مجرد ممارسة إعلامية، بل أصبح جزءًا من “حروب الجيل الجديد” التي تُدار بالتوازي مع العمليات العسكرية، وتستهدف التأثير على الإدراك الجمعي وصناعة حالة من الضبابية الاستراتيجية.
ويشير إلى أن نماذج تاريخية متعددة استخدمت هذا النهج، حيث جرى تضخيم عناوين سياسية أو أمنية محددة في الفضاء الإعلامي العالمي، بينما كانت تُعاد صياغة موازين القوى على الأرض بهدوء، الأمر الذي جعل الرأي العام ينشغل بمتابعة السرديات المعلنة بدل متابعة التحولات الفعلية.
المشهد السوداني وتكتيك صرف الانتباه
بحسب التحليل، فإن الساحة السودانية شهدت خلال فترات مختلفة حالة من التركيز الإعلامي المكثف على الخلافات السياسية، المبادرات التفاوضية، أو الجدل المرتبط بالمسارات المدنية، في وقت كانت تتسارع فيه—على الأرض—عمليات إعادة التموضع العسكري، وفتح مسارات إمداد، ومحاولات بناء قدرات قتالية في مناطق بعيدة عن الضوء الإعلامي.
ويؤكد التقرير أن تضخيم النقاشات السياسية الحادة، وإعادة إنتاج الاستقطاب الداخلي، يمكن أن يؤدي عمليًا إلى خلق “بيئة تشتيت ذهني”، تجعل متابعة التفاصيل العسكرية الدقيقة مسألة ثانوية لدى الجمهور، رغم كونها العامل الأكثر تأثيرًا في مسار الصراع.
البعد الإقليمي في إدارة الصراع
يلفت الخبير إلى أن الصراعات المعاصرة لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية، بل تتداخل فيها خطوط الإمداد، ومناطق التدريب، وشبكات الدعم اللوجستي عبر الإقليم، وهو ما يجعل مراقبة التحركات العسكرية مسألة معقدة تتطلب أدوات استخبارية وإعلامية متخصصة، لا مجرد متابعة الأخبار اليومية.
ويضيف أن تداول معلومات عن إنشاء معسكرات أو نشاطات تدريب خارج الحدود—إن ثبتت—يجب أن يُقرأ ضمن سياق أوسع يتعلق بمحاولات إعادة تشكيل التوازن العسكري، لا كأحداث منفصلة، بل كجزء من معادلة ضغط طويلة الأمد.
“التخدير الاستراتيجي” وتأثيره على المجتمعات
يصف التقرير هذه الحالة بما يسميه “التخدير الاستراتيجي”، حيث لا يُمنع تدفق المعلومات، بل يُغمر الفضاء العام بكمّ هائل من القضايا المتزامنة، ما يؤدي إلى إضعاف القدرة على التمييز بين ما هو تكتيكي عابر وما هو تحوّل استراتيجي عميق.
وفي هذه البيئة، تصبح المجتمعات أكثر عرضة لردود الفعل اللحظية، وأقل قدرة على بناء موقف تحليلي طويل المدى تجاه ما يجري من تغيّرات عسكرية أو سياسية.
الحاجة إلى الوعي المعلوماتي في زمن الحروب المركبة
يخلص التقرير إلى أن أخطر ما في استراتيجية إشغال الرأي العام ليس ما تُخفيه فقط، بل ما تُنتجه من وعيٍ مجتزأ، داعيًا إلى تعزيز القراءة التحليلية للأحداث، وربط التطورات السياسية بالمؤشرات الميدانية واللوجستية، باعتبار أن الحروب الحديثة تُحسم غالبًا في المساحات غير المرئية إعلاميًا.
ويؤكد أن المعركة في مثل هذه الصراعات لا تدور بالسلاح وحده، بل بالمعلومة، وبالقدرة على تفسيرها في توقيت صحيح قبل أن تتحول نتائجها إلى واقع مفروض.