إمبراطورية آل دقلو: حين تصبح المليشيا “شركة عائلية” بغطاء ديمقراطي.
هيكلية مليشيا الدعم السريع: سيطرة آل دقلو وتناقضات شعار الديمقراطية.
تفكيك هيكلية “أولاد منصور” وتناقض الخطاب السياسي مع الواقع القبلي في السودان.
متابعات – عاجل نيوز
يقف المشهد السوداني اليوم أمام واحدة من أعقد المفارقات السياسية والعسكرية في التاريخ الحديث حيث تبرز مليشيا آل دقلو ككيان يجمع في أحشائه أقصى درجات التناقض بين الهوية الهيكلية والخطاب السياسي المعلن.
إن المتأمل في طبيعة تكوين هذه المليشيا يدرك للوهلة الأولى أنها لا تمثل مؤسسة عسكرية بالمعنى التقليدي ولا حتى حركة تمرد سياسية ذات أيديولوجيا واضحة بل هي عبارة عن إقطاعية عائلية مغلقة تتدثر بعباءة القضايا الوطنية لتمرير مشروع سيطرة أسرية عابر للحدود.
تكمن العلة الجوهرية في أن المليشيا التي ترفع اليوم شعارات براقة مثل محاربة احتكار السلطة وتأسيس الدولة المدنية هي ذاتها النموذج الأبرز للاحتكار المطلق حيث تتركز مفاصل القرار المالي والعسكري واللوجستي في يد دائرة ضيقة جداً تنتمي لفرع الحنيك من قبيلة الماهرية وتحديداً أبناء مدلل وأقيمر ودقلو.
هذا الانغلاق الأسري يتجلى بوضوح عند تشريح الهيكل القيادي الذي يدير العمليات على الأرض حيث نجد أن المناصب التي تمثل عصب الحياة لأي قوة عسكرية محصورة تماماً داخل “البيت الواحد”.
فبينما يتم تسويق المليشيا كقوة قومية نجد أن المسؤول عن شؤون الرتب هو جدو عبد الرحمن والمسؤول عن التدريب هو حمدان خليل أما المحرك المالي والقلب النابض للاستثمارات فيقبع تحت سلطة موسى حمدان دقلو وبالمثل تدار ملفات الإمداد والوقود عبر جمعة حريبات ومحمد عثمان أبو حلاء.
هذا التوزيع الممنهج للمناصب الحساسة يكشف أن الولاء في هذا الكيان ليس للكفاءة العسكرية أو للمشروع الوطني بل هو ولاء جيني مرتبط بشجرة العائلة مما يحول المليشيا من أداة للتغيير السياسي إلى أداة لحماية وتوسيع نفوذ آل دقلو الاقتصادي والسياسي.
إن التناقض الصارخ يبرز حين تحاول هذه “الشركة العائلية” المسلحة التمرد على الجيش الوطني السوداني بذريعة جلب الديمقراطية إذ كيف يمكن لبنية عسكرية ترفض التعددية في أروقتها الخاصة وتمنع أي طرف خارج العائلة من الوصول لمراكز القرار أن تكون مؤتمنة على بناء نظام ديمقراطي لدولة بحجم السودان.
إن هذا العطب البنيوي يؤكد أن الخطاب المدني الذي تتبناه المليشيا ليس سوى “قشرة خارجية” تهدف لاستمالة القوى السياسية والمجتمع الدولي بينما يظل الجوهر معتمداً على ولاءات قبلية صلبة لا تؤمن بالتداول السلمي للسلطة أو بالمؤسسية المهنية.
إن منطق الأشياء يقول إن الظل لا يمكن أن يستقيم والعود أعوج ومن هنا يصبح الادعاء بالقتال من أجل الحقوق القومية مجرد غطاء لتبرير طموح أسري يسعى لاستبدال مؤسسات الدولة بكيان موازي يخدم مصالح الأفراد لا مصالح الوطن.
في نهاية المطاف يظل تفكيك هذه البنية المغلقة هو التحدي الأكبر أمام أي مشروع وطني حقيقي يسعى لاستعادة سيادة الدولة. إن الرهان على تحول مليشيا عائلية إلى قوة ديمقراطية هو رهان خاسر بالنظر إلى أن طبيعة تكوينها ترفض بطبيعتها مفهوم المؤسسية والقانون.
إن السودان يحتاج اليوم إلى كشف هذا الزيف التنظيمي وتوضيح أن الصراع ليس بين رؤى سياسية مختلفة بقدر ما هو صراع بين مفهوم الدولة الوطنية الحديثة ومفهوم “الإمبراطورية الأسرية” التي تتخذ من السلاح وسيلة لفرض واقع إقطاعي جديد يرتدي ثياب الديمقراطية زوراً وبهتاناً.
إن استئصال شأفة هذا الاحتكار الأسري يمثل الخطوة الأولى نحو بناء جيش مهني واحد ومؤسسات وطنية لا تخضع لسيطرة القبيلة و العائلة.