كيف بنت قوات الدعم السريع إمبراطورية عابرة للحدود؟
توسع قوات الدعم السريع في السودان وتحولها لقوة إقليمية
تحولات عسكرية واقتصادية تكشف شبكة نفوذ إقليمية معقدة خلال سنوات الحرب
متابعات – عاجل نيوز
في تحليل معمق نشرته الإيكونوميست، برزت صورة مختلفة تماماً لقوات الدعم السريع، حيث لم تعد مجرد قوة شبه عسكرية داخل السودان، بل تحولت تدريجياً إلى كيان مركب يجمع بين النفوذ العسكري والاقتصادي، ويمتد تأثيره إلى خارج الحدود الوطنية.
ويعكس هذا التحول، وفق التقرير، مساراً متسارعاً بدأ مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، لكنه تعزز بشكل لافت خلال العامين الأخيرين.
يشير التقرير إلى أن معركة الكرمك في ولاية النيل الأزرق مثلت لحظة مفصلية، ليس فقط من حيث التوسع الجغرافي للعمليات، بل أيضاً من حيث الأسلوب، إذ أظهرت قدرة قوات الدعم السريع على بناء تحالفات محلية مع مجموعات متمردة، والعمل في بيئات متعددة ومعقدة.
كما لفتت تلك المعركة الانتباه إلى احتمالات استخدام عمق جغرافي خارج السودان لتنفيذ عمليات عسكرية، وهو ما يُعد تحولاً استراتيجياً مهماً في طبيعة الصراع.
ومنذ بداية الحرب، كان تقدير المؤسسة العسكرية السودانية أن الحسم سيكون سريعاً، غير أن الوقائع على الأرض أثبتت عكس ذلك، حيث تحولت الأزمة إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.
فالملايين باتوا بحاجة إلى مساعدات عاجلة، وملايين آخرون يواجهون خطر الجوع، بينما أدت العمليات العسكرية إلى موجات نزوح واسعة وانهيار كبير في البنية الاقتصادية للدولة.
في هذا السياق، يوضح التقرير أن قوات الدعم السريع تمكنت من الحفاظ على نفوذ واسع داخل السودان، حيث تسيطر على مساحات كبيرة من دارفور وأجزاء من كردفان والنيل الأزرق، مستفيدة من طبيعة هذه المناطق الغنية بالموارد، إضافة إلى قدرتها على إدارة شبكات لوجستية فعالة تدعم استمرار عملياتها.
أحد أبرز عناصر القوة التي ركز عليها التقرير يتمثل في بناء شبكة إمداد عابرة للحدود.
ففي المراحل الأولى للحرب، اعتمدت قوات الدعم السريع على ممرات عبر تشاد، خاصة من خلال نقاط لوجستية مرتبطة بمناطق حدودية.
ومع مرور الوقت، توسعت هذه الشبكة لتشمل جنوب ليبيا، حيث لعبت علاقات إقليمية دوراً في تسهيل تدفق السلاح والوقود.
لاحقاً، برزت دول أخرى ضمن هذه الشبكة، من بينها إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث أصبحت هذه المناطق نقاط عبور مهمة.
ويشير التقرير إلى أن هذا التوسع لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة بناء علاقات سياسية واقتصادية مع أطراف متعددة، ما أتاح لقوات الدعم السريع حرية حركة نسبية في بعض هذه المناطق.
كما يتطرق التقرير إلى مسألة التجنيد، حيث اعتمدت القوات على استقطاب مقاتلين من خارج السودان، خصوصاً من دول الساحل، مقابل حوافز مالية تعتبر مغرية في تلك البيئات.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد ليشمل عناصر من مناطق أبعد، ما يعكس بعداً دولياً متزايداً في تركيبة هذه القوة.
وفي الجانب الاقتصادي، يرى التقرير أن هذا البعد يمثل الركيزة الأساسية لاستمرار قوات الدعم السريع. فقد استفادت من السيطرة على موارد طبيعية، وعلى رأسها الذهب، لبناء شبكة مالية معقدة تمتد خارج السودان .
وتشير التقديرات إلى أن هذه الموارد إضافة إلى دعم خارجي خليجي مكّنتها من تمويل عملياتها العسكرية، وشراء المعدات، والحفاظ على شبكة علاقاتها الإقليمية.
كما لفت التقرير إلى وجود شبكة شركات وأصول اقتصادية مرتبطة بقيادات هذه القوات في عدة دول، خاصة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ما يمنحها قدرة على التحرك المالي خارج نطاق الضغوط المباشرة.
وعلى الرغم من فرض عقوبات على بعض الكيانات المرتبطة بها، إلا أن هذه الشبكة أظهرت قدرة على التكيف والاستمرار بفعل مقدمتها لها الدولة الخليجية المعروفة من دعم .
في المقابل، يبرز العامل الدولي كأحد المحددات الرئيسية لمسار الصراع. فالتقرير يشير إلى أن تداخل المصالح الإقليمية والدولية في السودان، خاصة في ما يتعلق بالبحر الأحمر والموارد الطبيعية، جعل من الصعب الوصول إلى موقف دولي موحد.
كما أن بعض الدول ترى في استمرار هذه الشبكات وسيلة لتحقيق توازنات معينة في المنطقة.
ومن زاوية أخرى، يوضح التقرير أن التطورات الجيوسياسية العالمية، بما في ذلك التوترات في مناطق أخرى، أسهمت في تقليل مستوى التركيز الدولي على الأزمة السودانية، ما أتاح مساحة أوسع للتحركات الميدانية والاقتصادية لقوات الدعم السريع.
وفي ما يتعلق بالمستقبل، يشير التقرير إلى أن هذه القوات لم تعد تسعى فقط للحفاظ على وجودها العسكري، بل تعمل أيضاً على تقديم نفسها كفاعل سياسي، من خلال خطوات تهدف إلى ترسيخ نفوذها داخل المشهد العام، وهو ما يعقد جهود التوصل إلى تسوية شاملة.
ويرى محللون أن الجمع بين القوة العسكرية والموارد الاقتصادية والشبكات الإقليمية يمنح قوات الدعم السريع قدرة على الصمود لفترات طويلة، حتى في ظل الضغوط، ما يجعل من الصراع السوداني أزمة مفتوحة على احتمالات متعددة.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة الأطراف المختلفة على إعادة ضبط التوازنات، والوصول إلى صيغة تضمن إنهاء الحرب، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً.