مدير مواصفات وادي حلفا يفتح الصندوق الأسود: كيف يتسلل الغذاء الفاسد عبر معابر “أرقين” و”أشكيت”؟
حوار مدير مواصفات وادي حلفا حول تهريب السلع والرقابة الغذائية بالسودان
في حوار كشف تعقيدات الرقابة الحدودية بالشمالية
متابعات – عاجل نيوز
صحيفة العودة
على مشارف الحدود الشمالية للسودان، حيث تلتقي الرمال بمسارات التجارة الدولية، تبرز مدينة وادي حلفا كخط دفاع أول وأخير عن أمن السودانيين الغذائي، وفي هذا السياق المليء بالتحديات، .
يأتي حديث المهندس أبايزيد الشيخ، مدير قطاع وادي حلفا للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، ليرسم خارطة طريق واضحة لما يحدث خلف الكواليس في معركة الرقابة والجودة،.
إذ يوضح الشيخ أن العمل الرقابي في هذه المنطقة الحساسة ليس مجرد وظيفة مكتبية، بل هو صراع يومي مع الجغرافيا واتساع الحدود وهشاشة المنافذ التي تمنح المهربين ثغرات يحاولون من خلالها النفاذ بمنتجات تفتقر لأدنى معايير السلامة البشرية.
ويكشف المهندس أبايزيد في قراءته التحليلية لعامين من العمل الميداني، أن القطاع لم يتوقف عن مطاردة المخالفين، حيث تم تنفيذ أكثر من ثلاثمائة حملة تفتيشية مكثفة، لم تقتصر فقط على الأسواق التقليدية، .
بل امتدت لتشمل أسواق الذهب ومناطق التعدين التي تمثل نقاط استهلاك عالية وحرجة، هذه الحملات التي تمت بالتنسيق مع الأمن الاقتصادي ومباحث التموين وحماية المستهلك،.
أسفرت عن ضبط كميات هائلة من السلع غير المطابقة، والتي لو تسربت إلى مائدة المواطن لكانت عواقبها الصحية وخيمة، فالأرقام تشير إلى أن 7% من إجمالي الأغذية المفحوصة كانت غير مطابقة للمواصفات، .
وهي نسبة وإن بدت صغيرة رقمياً، إلا أنها تمثل تهديداً مباشراً بالنظر إلى نوعية السلع المضبوطة التي شملت المعلبات، والزيوت، والحلويات، وحتى المنتجات سريعة التلف كالأسماك والدواجن والبيض.
وعند الغوص في تفاصيل المنافذ الحدودية، يضع مدير قطاع وادي حلفا يده على الجرح النازف، مشيراً إلى أن معبر “أرقين” يتصدر قائمة المداخل الأكثر خطورة فيما يتعلق بتدفق الأغذية غير المطابقة مقارنة بمعبر “أشكيت”، .
ويعزي ذلك إلى نمط دخول السلع عبر “العفش الشخصي” وحافلات الركاب (البصات)، حيث يتم إخفاء كميات من المواد الغذائية بعيداً عن أعين الفحص الدقيق الأولي، مما يضع عبئاً إضافياً على أجهزة التفتيش والرقابة،.
وما يزيد المشهد تعقيداً هو اعتراف الشيخ بوصول بعض هذه المنتجات بالفعل إلى رفوف المحال التجارية رغم الحواجز الرقابية، مفسراً ذلك بوجود قنوات تهريب غير رسمية تتجاوز النقاط الجمركية،.
فضلاً عن السلوكيات الكارثية لبعض التجار الذين يفتقرون للوعي الفني، فيقومون بتخزين وعرض السلع في ظروف مناخية قاسية تؤدي لفسادها السريع وتلف محتوياتها قبل أن تصل ليد المستهلك.
ولا تتوقف أساليب الغش التجاري عند حدود التهريب فقط، بل تمتد لتشمل عمليات تزيير وتلاعب احترافية في بيانات الصلاحية، حيث رصدت فرق التفتيش حالات يتم فيها إعادة تعبئة المنتجات أو استخدام طابعات يدوية وملصقات جديدة لإطالة عمر السلعة المنتهية “ورقياً” بينما هي تالفة “فعلياً”،.
هذا التلاعب الإجرامي يواجه بقانون المواصفات والمقاييس لعام 2008، والذي يمنح السلطات الحق في فرض عقوبات رادعة تصل إلى الإغلاق الكامل للمنشأة، والمصادرة الفورية، والإبادة للسلع، والمحاكمة القضائية، .
وهي إجراءات يؤكد الشيخ أنها نُفذت بالكامل في وادي حلفا لضمان الردع العام، رغم التحديات اللوجستية المتمثلة في اتساع الرقعة الجغرافية وتعدد المنافذ التي تجعل بعض المناطق أقل خضوعاً للرقابة المستمرة.
وفي ظل هذا الواقع، يراهن المهندس أبايزيد الشيخ على سلاح “الوعي”، موضحاً أن الهيئة لا تكتفي بالدور الزجري، بل تتبنى استراتيجية توعوية شاملة تستهدف المستهلك مباشرة، فمن خلال إذاعة وادي حلفا المحلية والمنصات الرقمية والمحاضرات المباشرة،.
يتم تنبيه المواطنين من مخاطر “الأغذية الرخيصة” التي تتدفق غالباً من دول الجوار مثل مصر وإثيوبيا وتشاد عبر مسارات التهريب، هذه السلع التي قد تجذب ذوي الدخل المحدود بأسعارها الزهيدة، تخفي وراءها مخاطر التلوث الميكروبي، والألوان الصناعية المحرمة،
والمواد الحافظة الضارة، مما يجعل تكلفة علاج تداعياتها الصحية أضعاف ما تم توفيره عند الشراء، ويختتم الشيخ رؤيته بالتأكيد على أن الهيئة تعمل حالياً على تطوير أنظمة الفحص والتحليل وزيادة الكوادر الفنية لتغطية كل شبر في هذه المنطقة الحدودية الحيوية، لضمان أن يظل شعار “المواصفات” حائط صد منيعاً يحمي صحة الإنسان السوداني في أصعب الظروف.