عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
تفضل سيادة الرئيس : هذه هي حكومة كامل إدريس.. خسارة منصب دولي تفتح النار على حكومة كامل راتب الـ44 مليوناً وسر تغيّر سياسات البنك.. عادل الباز يرد على منتقدي آمنة ميرغني تطورات صادمة ... قبل بلوغ الدبة.. اعتقال قائد بارز بالمليشيا حاول تسليم نفسه للجيش دفاعاً عن آمنة ميرغني.. عادل الباز يرد على منتقدي راتب محافظ بنك السودان اعترافات مرتزق كولومبي تكشف طريق المقاتلين الأجانب إلى نيالا عمليات نصب واسعة تستهدف السودانيين في مصر عبر تطبيق «بنكك».. والإمساك بأحد المحتالين واسترداد الأموا... مسيرة انتحارية تستهدف منزل قيادي رفيع بالقوة المشتركة في الأبيض.. ونجاته بأعجوبة بأوامر من أدم قارح .. جـ ريمة مروعة في منطقة أم هجيليج بدار الزيادية .. تصـ.فية 11 شاباً من أبناء ال... الكتلة الديمقراطية في تصريح صحفي حاسم: لن نعود إلى الماضي تحت لافتة الحوار ولن نقبل بصفقات إعادة توز... صاحب سيارة «التوسان» يروي تفاصيل واقعة شارع النيل بأمدرمان ويكشف ملابسات الفيديو المثير للجدل

بدرالدين علي بشير | مكالمة مع أبي غيّرت قلبي.. حين نكتشف آباءنا من جديد

مكالمة مع أبي غيّرت قلبي.. حين نكتشف آباءنا من جديد

 

 

دروس في الوفاء والامتنان من قلب الابن البار “بدرالدين علي بشير”

 

متابعات – عاجل نيوز

بدرالدين علي بشير النور

الرياض، المملكة العربية السعودية ٠٩ يونيو ٢٠٢٦م

لأول مرة في حياتي، أمكث مع والدي في مكالمة طويلة دون خوف من استعجال الوقت أو ثقل المسؤوليات. لم تكن دقائق معدودة كعادتي، أسأله فيها عن الحال والأحوال، ثم أختم بكلمات الوداع التقليدية.

في تلك الليلة، قررت أن أترك الوقت يمضي على سجيته، وأن أحدث أبي كما يجب أن يُحدّث الابنُ أباه؛ حديثاً مليئاً بالتفاصيل الصغيرة التي نصنع منها حياتنا، عن المعيشة، والناس، والأيام، وعن إخوتي الصغار الذين لم يزل والدي يحمل همهم رغم تقدمه في العمر.

​مع مرور الدقائق، شعرت أنني أتعرف على والدي من جديد. كنت أظن أنني قريب منه، فقد كنت الابن المدلل الذي يعود والده محملًا له بالهدايا البسيطة، لكنني اكتشفت أن قرب الجسد ليس دائماً قرب الروح، وأننا أحياناً نحب آباءنا بصدق دون أن نمنحهم الوقت الكافي ليسمعونا ونسمعهم.

أبي، علي بشير النور، رجل همام، متقد الذهن، واسع الحكمة، باذخ الكرم، لا يهدأ له بال في طلب الرزق الحلال، وقد ربانا على الكسب الطيب والعيش الكريم.

​أتذكر حين كنت صغيراً، كيف كان فراقه لسفر قصير يملأ قلبي بالبكاء، وكأن الأسبوع سنة كاملة.

كنت أمين خزانته في غيابه، وحارس تجارته، ومنه تعلمت الحساب والصدق والأمانة، وكنت أرى الناس يودعون أموالهم عنده مطمئنين، ويقصدونه في الشدائد فكان حاتمياً في كرمه.

لم يكن يعلمنا بالقول فقط، بل بالفعل، فكان من أبر الناس بوالديه، لا يأكل من رزق طيب إلا وأشرك أمه فيه، معلماً إيانا أن البر دين لا ينقطع.

​دارت الأيام، وحين ساءت أوضاعه المالية وأنا في الجامعة، كان أكثر مني فرحاً بقبولي، وعاد للعمل الشاق رغم تقدم سنه.

حين عرضت عليه تجميد دراستي لأساعده، أجابني بجملة لا تزال ترن في أذني: “يا ولدي، أنت لا تعرف كم تعبنا ونحن شباب، الجسد للدود، ركّز في دراستك”.

وبعد عام، تبدلت الأحوال، وأكرمني الله بفضل دعواته، ثم تكررت المواقف التي تعلمت فيها أن المعروف دين، كقصة الأستاذ عبدالهادي الذي دفع رسومي الجامعية، وكيف حرص أبي على رد الجميل بزيت السمسم في مشهد يعكس شيم العظماء.

​تلك المكالمة فتحت باباً في علاقتنا لم أطرقه من قبل. طمأنته على أبنائه الصغار، وقلت له: “يا أبي، للأولاد رب لا ينساهم، وأب لن تلين عزيمته، أعدك ألا أدخر وسعاً في فعل الخير لك كما فعلت معنا”.

صمتَ طويلاً، ثم شعرت بدموعه خلف الهاتف، وبكيت أنا أيضاً حين قال لي: “أنا راضٍ عنك دنيا وآخرة”.

تدفقت الذكريات كشلال، رائحة والدي في وسادته، أيامه وهو يودعني من خلف لوري الفحم، لحظات العيد، كل تفصيلة كانت حاضرة في تلك اللحظة التي أدركت فيها حقيقة مؤلمة.

​إننا مقصرون ليس لأننا لا نحبهم، بل لأننا نظن أن السؤال السريع يكفي، وأن المال يجبر الخاطر، وأن وجودهم دائم.

لكنهم في الحقيقة يحتاجون إلى ما هو أبسط وأعظم أثراً؛ يحتاجون إلى أن نجلس معهم، نسألهم عن مخاوفهم وآمالهم وتفاصيل يومهم الصغير.

فكلما تقدم بهم العمر، عادوا إلى براءة الأطفال، يبحثون عن الأنس قبل أي شيء آخر.

 

​لقد تعلمت درساً لن أنساه ما حييت، أن بر الوالدين ليس نفقة ولا هدية فحسب، بل هو وقتٌ، وإنصات، ومودة، وقرب.

وأن أجمل ما يمكن أن نهديه لهم هو ساعة نجلس فيها إليهم بكل قلوبنا. اللهم احفظ والدي بحفظك، وارفع قدره، وبارك في عمره، وارزقني بره حياً وميتاً، وارحم والدينا الذين وارثهم الثرى، واجعلنا لهم عوناً وسنداً كما كانوا لنا ونحن صغار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.