مافيا الوقود في السودان.. حينما تتحول السلعة الاستراتيجية إلى “كرت” بيد تجار الأزمات
فوضى استيراد الوقود في السودان.. لماذا تسيطر 45 شركة على أمن الطاقة؟
تحليل لواقع قطاع الطاقة: شركات ورقية، مخازن دولة، ومضاربات بالسوق الموازي تخنق المواطن
متابعات – عاجل نيوز
يواجه قطاع الطاقة في السودان أزمة هيكلية عميقة، تتجلى في وجود 45 شركة تعمل في مجال استيراد الوقود، وفقاً لبيانات رسمية من وزارة النفط.
إلا أن الواقع يشير إلى أن هذا العدد الضخم لا يعكس كفاءة في التشغيل أو قدرة على تأمين الإمداد، بل يجسد حالة من “الفوضى المنظمة” التي جعلت من الوقود سلعة استراتيجية تحت رحمة قوى لا تملك المقومات الأساسية للاستثمار، وتعتمد في عملها على موارد الدولة ومرافقها.
تتمثل المعضلة الكبرى في أن غالبية هذه الشركات تفتقر إلى المواعين التخزينية الخاصة بها، مما يضطرها لاستئجار مخازن الدولة، وهو وضع يفرغها من صفتها كشركات استثمارية ليجعلها مجرد وسيط تجاري.
هذا القصور اللوجستي يمتد ليشمل القصور المالي، حيث تعتمد العديد من تلك الكيانات على السوق الموازي لتوفير النقد الأجنبي، .
بدلاً من امتلاك اعتمادات بنكية خارجية، وهو سلوك يؤدي بالضرورة إلى سحب السيولة من السوق وتأجيج وتيرة التضخم وانفلات سعر الصرف.
تشير القراءات الاقتصادية إلى أن هذه الشركات نجحت في تحويل الوقود إلى “كرت” ضغط في يد تجار، يمارسون من خلاله سياسة الشح والندرة لفرض أسعار باهظة وهوامش ربح فاحشة.
وفي ظل اكتفاء وزارة النفط بالدور الفني والرقابي على الجودة، تظل الدولة أمام تحدٍ كبير؛ فهل من المنطقي أن تستمر سياسة التحرير في ظل غياب المعايير الصارمة للتأهيل المالي والفني؟ .
إن الاعتماد على كيانات قد لا تعدو كونها “أسماء تجارية” يعني بالضرورة تراجع دور الدولة في حماية أمنها الخدمي والاقتصادي.
إن استمرار هذا المشهد يثير تساؤلات مشروعة حول الجدوى الاقتصادية من هذه التعددية في الشركات، في ظل غياب ميزات الكفاءة.
إن الحاجة باتت ملحة لإعادة النظر في هيكلة هذا القطاع، من خلال فرض معايير تأهيل مسبقة لا تقبل بأقل من امتلاك البنية التحتية والملاءة المالية الحقيقية.
فبدون “فلترة” حقيقية لهذه الشركات، سيبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يدفع فاتورة المضاربات والأزمات المفتعلة، بينما تظل مفاصل الدولة مكبلة ببيروقراطية وتداخلات المصالح التي تغذي هذا الوضع المائل.