تصفية العاملين أم تصفية الدولة المنتجة؟ قراءة في مخاطر “تقليص الخدمة المدنية”
تحليل: تداعيات خطط تقليص العاملين في الخدمة المدنية بالسودان
تصفية العاملين أم تصفية الدولة المنتجة؟ قراءة في مخاطر “تقليص الخدمة المدنية”
متابعات – عاجل نيوز
في لحظة تاريخية بالغة القسوة، حيث يئن ملايين السودانيين تحت وطأة أزمة معيشية هي الأكثر فتكاً في تاريخ البلاد، تبرز إلى السطح دعوات لتقليص أعداد العاملين في الخدمة المدنية تحت مسميات “الإصلاح” و”ترشيد الإنفاق”.
هذا التوجه، الذي يراه الكاتب ضياء الدين محمد أحمد، ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو محاولة بائسة لنقل أعباء الانهيار الاقتصادي من دوائر القرار إلى كاهل الطبقات التي تدفع بالفعل فاتورة الحرب والنزوح وفقدان سبل العيش.
يضع التحليل الإصبع على مفارقة صادمة؛ فبينما تعاني الأسر السودانية من تآكل الأجور وارتفاع التضخم الذي ابتلع المدخرات، تأتي الحلول المقترحة لتزيد من حدة التشريد، متجاهلةً أن الموظف والعامل ليسا هما المسؤولين عن انهيار الاقتصاد أو اشتعال الحرب.
إن الحديث عن تسريح عشرات الآلاف من الموظفين في ظل إغلاق آلاف المشروعات وتوقف عجلة الإنتاج، لا يعدو كونه هروباً من مواجهة الأزمة الحقيقية التي تكمن في “انهيار الإنتاج” وتآكل الإيرادات العامة.
يشير التقرير إلى أن الأزمة الوطنية تتطلب رؤية تنموية شاملة، لا مقصّاً إدارياً يستهدف “العمود الفقري” للمؤسسات العامة. فبدلاً من التضحية بالعاملين، كان الأولى بالدولة أن تتوجه نحو محاربة الفساد، وإعادة بناء القطاعات المنتجة، ووقف الهدر في الامتيازات غير الإنتاجية التي تستنزف ميزانية الدولة.
إن جعل العاملين “كبش فداء” لأزمات لم يكونوا سبباً فيها هو طريقٌ يؤدي حتماً إلى إضعاف الخدمة المدنية، وبالتالي إضعاف الدولة ذاتها في مرحلة تحتاج فيها إلى أعلى درجات التماسك.
يختتم التحليل بطرح سؤال وجودي حول طبيعة “الدولة” التي يسعى السودان لبنائها بعد الدمار: هل هي دولة تحمي فرص العمل وتوسع الإنتاج، أم دولة تكتفي بالتخلص من عبء مواطنيها تحت ذرائع “إعادة الهيكلة”؟.
إن الطريق إلى التعافي الوطني، وفقاً للكاتب، لا يمر عبر تشريد الكوادر الوطنية، بل عبر إعادة بناء الاقتصاد المنتج واستعادة دور الدولة التنموي.
إن أي إصلاح حقيقي لا يبدأ من “تصفية” القوى العاملة، بل يبدأ من مراجعة السياسات التي أدت إلى هذا التدهور. إن التشريد ليس حلاً، بل هو وصفةٌ لإطالة أمد الأزمة وتهديد السلم الاجتماعي في بلدٍ لا يتحمل المزيد من التفكك.
لذا، فإن الدعوة الموجهة لصناع القرار هي ضرورة التوقف عن تحميل الطبقات الكادحة تكلفة الانهيار، والبحث عن بدائل تحفظ كرامة العاملين وتحمي مؤسسات الدولة من الضياع.