96 ألف إثيوبي عادوا من السعودية».. ماذا يجري خلف الكواليس بين الرياض وأديس أبابا؟
96 ألف إثيوبي يعودون من السعودية.. ماذا يحدث؟
«96 ألف إثيوبي عادوا من السعودية».. ماذا يجري خلف الكواليس بين الرياض وأديس أبابا؟
متابعات – عاجل نيوز
لم يعد ملف عودة الإثيوبيين من المملكة العربية السعودية مجرد عمليات ترحيل متفرقة أو حالات فردية، بعدما تحولت العملية إلى برنامج واسع النطاق أعاد أكثر من 96 ألف إثيوبي إلى بلادهم خلال أقل من عام، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما يجري بين الرياض وأديس أبابا خلف الكواليس.
وفي أحدث تطور، أعلنت السلطات الإثيوبية إعادة 2,494 مواطناً من السعودية خلال أسبوع واحد، عبر 12 رحلة جوية، بينهم 2,312 رجلاً و163 امرأة و19 رضيعاً، إضافة إلى 189 شخصاً دون سن الثامنة عشرة.
وبهذه الدفعة ارتفع إجمالي عدد الإثيوبيين الذين أعيدوا إلى بلادهم منذ إطلاق برنامج العودة في 15 سبتمبر 2025 إلى أكثر من 96,500 شخص.
لكن الرقم الضخم لا يمثل وحده القصة الكاملة.
ما الذي يحدث بين الرياض وأديس أبابا؟
المثير في ملف 96 ألف إثيوبي هو أن عملية الإعادة تتزامن مع اتصالات دبلوماسية مكثفة بين الحكومتين السعودية والإثيوبية، خصوصاً بشأن أوضاع المواطنين الإثيوبيين الموجودين في المملكة.
وكانت الخارجية الإثيوبية قد أعلنت في يوليو الماضي استمرار التواصل مع السلطات السعودية على أعلى المستويات، مشيرة إلى أن السفارة الإثيوبية في الرياض والقنصلية العامة في جدة تجريان اتصالات منتظمة مع الجهات السعودية المختصة.
وقالت أديس أبابا إن هذه الاتصالات تركز على حماية المواطنين الإثيوبيين وتوفير المساعدة القنصلية والسعي إلى إيجاد حلول مناسبة لمن يواجهون ظروفاً صعبة أو إجراءات قانونية وقضائية.
العفو الملكي يدخل على الخط
ومن أبرز التطورات التي تكشف طبيعة التعاون بين البلدين استفادة 1,971 إثيوبياً من عفو ملكي سعودي، وفق ما أعلنته الخارجية الإثيوبية في يوليو.
وبدأت الحكومة الإثيوبية، عقب ذلك، إجراءات إعادة المستفيدين من العفو إلى بلادهم، ووصفت أديس أبابا الخطوة بأنها نتيجة إيجابية للاتصالات الدبلوماسية والقنصلية المستمرة بين البلدين.
وهنا تظهر نقطة مهمة: فالمشهد لا يبدو مجرد عملية ترحيل جماعية بالمعنى التقليدي، بل يتضمن أيضاً ترتيبات دبلوماسية وإنسانية للتعامل مع أوضاع مواطنين إثيوبيين واجهوا ظروفاً قانونية أو معيشية صعبة في السعودية.
لماذا ارتفعت الأعداد بهذه السرعة؟
تكشف بيانات منظمة الهجرة الدولية أن عمليات الإعادة المنظمة من السعودية إلى إثيوبيا شهدت قفزة كبيرة خلال عام 2026.
فخلال الربع الأول من العام وحده، بلغ عدد الإثيوبيين الذين أعيدوا من السعودية إلى إثيوبيا نحو 26,400 شخص، بزيادة بلغت 106% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، عندما بلغ العدد نحو 12,800 شخص.
وهذا يعني أن وتيرة العودة لم تكن مفاجئة في أغسطس، وإنما كانت جزءاً من مسار متصاعد منذ بداية العام.
كما أن برنامج العودة الحالي بدأ في سبتمبر 2025، واستمر بوتيرة متلاحقة عبر رحلات جوية متكررة، ما أدى إلى تجاوز حاجز 92 ألف عائد في أغسطس، ثم 94 ألفاً في 17 أغسطس، قبل أن يتخطى العدد 96,500 في 24 أغسطس.
الهجرة غير النظامية في قلب المشهد
لا يمكن فصل التطورات عن ملف الهجرة غير النظامية من القرن الأفريقي إلى السعودية.
وتشير منظمة الهجرة الدولية إلى أن الطريق الشرقي عبر إثيوبيا وجيبوتي والصومال واليمن يُعد من أكثر طرق الهجرة نشاطاً وخطورة في العالم، مع استمرار توجه مهاجرين نحو اليمن والسعودية، في ظل نشاط شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
وفي المقابل، تعمل الحكومة الإثيوبية على تشديد إجراءات منع الهجرة غير النظامية، بالتوازي مع استقبال العائدين وتوفير المساعدة لهم وإعادة دمجهم في أسرهم ومجتمعاتهم.
وهذا يجعل ملف العودة جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها الهجرة، والأمن، وحماية المواطنين، والعلاقات الثنائية بين الرياض وأديس أبابا.
هل الرقم يعني أزمة بين البلدين؟
ليس بالضرورة.
المعطيات الرسمية المتاحة لا تقدم دليلاً على وجود أزمة دبلوماسية بين السعودية وإثيوبيا بسبب عمليات العودة، بل تشير التصريحات الإثيوبية الرسمية إلى استمرار التعاون والتواصل بين الحكومتين.
بل إن الخارجية الإثيوبية وصفت نتائج الاتصالات مع الجانب السعودي بأنها تطورات إنسانية إيجابية، وأكدت استمرار استخدام القنوات الدبلوماسية والقنصلية لحماية مصالح مواطنيها.
لكن في الوقت نفسه، فإن ضخامة الرقم وتزايد وتيرة الإعادة يجعلان الملف واحداً من أهم ملفات العلاقات السعودية الإثيوبية، خصوصاً أن آلاف العائدين يحتاجون بعد وصولهم إلى الدعم والرعاية وإعادة الاندماج.
ماذا يحدث للعائدين بعد الوصول؟
لا تنتهي القصة عند الهبوط في مطار بولي الدولي بالعاصمة أديس أبابا.
وتقول وزارة المرأة والشؤون الاجتماعية الإثيوبية إن العائدين يحصلون على الرعاية والمساعدة في المطارات ومراكز الإيواء المؤقتة، مع العمل على لمّ شملهم بأسرهم.
كما تتضمن الإجراءات برامج للمساعدة وإعادة التأهيل للعائدين الذين مروا بطرق هجرة غير نظامية، إلى جانب حملات توعية بمخاطر الاتجار بالبشر والهجرة غير الآمنة.
ملف يتجاوز «الترحيل»
المتابع للتطورات يجد أن وصف ما يحدث بأنه «ترحيل جماعي» فقط قد يكون اختزالاً للمشهد.
فالبرنامج يضم عائدين في ظروف مختلفة، بينهم أشخاص استفادوا من عفو ملكي، وآخرون كانوا يعيشون في ظروف صعبة، إضافة إلى قاصرين وأسر وأشخاص مروا بمسارات هجرة غير نظامية.
وفي أحدث دفعة، كان بين العائدين 189 شخصاً دون سن الثامنة عشرة، بينما تضمنت دفعات سابقة أعداداً من النساء والأطفال والرضع.
الصورة الأكبر
الرقم الذي تجاوز 96,500 عائد يكشف في النهاية عن حجم وتعقيد حركة الهجرة بين إثيوبيا والسعودية.
وبينما تسعى الرياض إلى تنظيم أوضاع الهجرة داخل أراضيها، تحاول أديس أبابا إدارة تبعات عودة أعداد كبيرة من مواطنيها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات التواصل مع المملكة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا عاد 96 ألف إثيوبي من السعودية؟
بل أيضاً: هل تمثل هذه العملية مرحلة جديدة في إدارة ملف العمالة والهجرة بين البلدين؟ وهل ستقود الاتصالات الحالية إلى ترتيبات أكثر تنظيماً للهجرة والعمل وحماية العمال الإثيوبيين مستقبلاً؟
المؤكد أن الرقم لم يعد صغيراً بحيث يمكن اعتباره ملفاً هامشياً. أكثر من 96 ألف عائد خلال أشهر قليلة يجعل القضية واحدة من أبرز الملفات الإنسانية والهجرية في العلاقة بين الرياض وأديس أبابا، ويضع الحكومتين أمام اختبار كبير في كيفية إدارة ما بعد العودة، وحماية حقوق المهاجرين، ومنع تكرار رحلات الهجرة غير الآمنة.