سقوط قناع الوساطة.. هل انحاز مسعد بولس في الملف السوداني؟
مسعد بولس والملف السوداني.. أين تقف واشنطن؟
تحركات المبعوث الأمريكي وتصريحاته بشأن تشاد تفتح أسئلة حول حدود الوساطة وحق السودان في الدفاع عن أمنه
متابعات – عاجل نيوز
أثار تحرك مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بشأن الحرب في السودان موجة جديدة من الجدل السياسي، خصوصاً بعد تصريحاته المتعلقة بالضربة الجوية التي قيل إنها وقعت داخل الأراضي التشادية، واتصالاته مع القيادة التشادية بشأن تداعيات الحرب السودانية.
وتأتي هذه التحركات في وقت شديد الحساسية، إذ تتداخل الحرب في السودان مع ملفات الحدود والإمداد العسكري والتدخلات الإقليمية، بينما تسعى واشنطن إلى الدفع نحو وقف القتال ومنع اتساع دائرة الصراع إلى دول الجوار.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في الخرطوم هو: هل يستطيع الوسيط أن يحافظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف عندما تتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية في النزاع؟
بالنسبة إلى منتقدي مسعد بولس، فإن تصريحاته الأخيرة لا تبدو مجرد تحركات دبلوماسية تهدف إلى احتواء الأزمة، بل يرون فيها تبنياً لرواية سياسية تخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الجهات المناهضة للقوات المسلحة السودانية.
ويستند هذا الطرح إلى أن الحديث عن اعتداء داخل الأراضي التشادية جاء قبل اكتمال أي تحقيق مستقل وشفاف بشأن ملابسات الواقعة، وهو ما دفع الحكومة السودانية إلى رفض تحميل القوات المسلحة المسؤولية دون أدلة معلنة.
وأكدت وزارة الخارجية السودانية احترامها الكامل لسيادة تشاد ووحدة أراضيها، وشددت على أن القوات المسلحة تؤدي واجبها في الدفاع عن السودان مع الالتزام بعدم استهداف أراضي دول الجوار.
لكن الخرطوم طرحت في المقابل سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ماذا عن الهجمات التي تقول الحكومة السودانية إنها تنطلق من أراضي دول مجاورة وتستهدف الأراضي السودانية؟
هنا تتعقد الصورة.
فالحرب السودانية لم تعد محصورة داخل خطوط المواجهة التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بشبكات إمداد عابرة للحدود، وطرق نقل للسلاح والوقود، وتحركات لمقاتلين ومرتزقة، فضلاً عن استخدام الطائرات المسيّرة.
وبالتالي فإن أي محاولة لفهم الضربات الجوية أو التحركات العسكرية بمعزل عن هذه البيئة الإقليمية المعقدة قد تقود إلى قراءة ناقصة للصراع.
أما الاستناد إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فيحتاج بدوره إلى قراءة قانونية دقيقة؛ فالمادة تقرر حق الدول في الدفاع عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح،.
لكن مدى مشروعية أي عمل عسكري داخل أراضي دولة أخرى يظل مرتبطاً بظروف الواقعة، وضرورة إثبات مصدر الهجوم، ومدى ارتباطه بالدولة أو الجماعة المسلحة، ومبادئ الضرورة والتناسب والقانون الدولي.
وهذا تحديداً ما يجعل التحقيق المستقل في أي واقعة حدودية أمراً بالغ الأهمية قبل إصدار أحكام سياسية أو قانونية نهائية.
وفي الجانب الآخر، فإن الحديث عن الدور الإماراتي في الحرب السودانية أصبح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل على المستوى الدولي والإقليمي. وتتهم الحكومة السودانية أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات هذه الاتهامات.
وبالتالي فإن تحويل هذه الاتهامات إلى حقائق محسومة دون تقديم الأدلة والتحقق منها يضعف أي خطاب سياسي، حتى وإن كانت هناك تقارير ومواقف دولية تناولت القضية.
المشكلة الأوسع تكمن في طبيعة الوساطة نفسها.
فالوسيط الناجح يحتاج إلى بناء الثقة مع الأطراف المختلفة، وإظهار قدر عالٍ من التوازن في الخطاب والممارسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة والحدود والأمن القومي.
ومن هنا، فإن تحركات مسعد بولس وتصريحاته المتكررة بشأن السودان تستحق النقاش ليس من زاوية شخصه فقط، وإنما من زاوية السياسة الأمريكية تجاه الحرب بأكملها.
هل تريد واشنطن وقف الحرب فعلاً، أم أن أولويتها الأساسية أصبحت منع تمددها إقليمياً؟
وهل تنظر الإدارة الأمريكية إلى القوات المسلحة وقوات الدعم السريع باعتبارهما طرفين متساويين في النزاع، أم أنها بدأت تبني تصوراً مختلفاً حول مستقبل السلطة في السودان؟
ثم هناك سؤال ثالث أكثر حساسية: هل تستطيع واشنطن الضغط على حلفائها وشركائها الإقليميين بالقدر نفسه الذي تضغط به على الأطراف السودانية؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من تصريح واحد، لكنها تزداد أهمية مع استمرار الحرب واتساع مساراتها الخارجية.
وفي النهاية، فإن الدفاع عن سيادة السودان لا يعني رفض الوساطة الدولية، كما أن المطالبة بوقف الحرب لا تعني تجاهل حق الدولة في حماية حدودها وأمنها.
المطلوب هو موقف دولي يقوم على الحقائق والتحقيق المستقل، وليس على الروايات المتبادلة.
أما مسعد بولس، فإن استمرار تحركاته في الملف السوداني سيجعل كل تصريح يصدر عنه موضع تدقيق أكبر، خصوصاً إذا تعلق الأمر بسيادة السودان أو علاقاته بدول الجوار.
ففي الحروب الطويلة، لا تُقاس الوساطة بكثرة الاجتماعات والتصريحات، وإنما بقدرتها على بناء الثقة، والضغط على مصادر السلاح والتمويل، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية لا تفرضها قوة إقليمية أو دولية على الشعب السوداني.
وهنا تحديداً سيبقى السؤال مفتوحاً:
هل يتحرك مسعد بولس كوسيط يسعى إلى إنهاء الحرب، أم أن واشنطن نفسها لم تحسم بعد شكل النهاية التي تريدها للسودان؟