د. محمد عثمان عوض الله يفكك رؤية الشفيع خضر للسلام ويكشف تجاوزها للعدوان الخارجي وتضحيات الشعب!
محمد عثمان عوض الله يرد على رؤية الشفيع خضر للسلام
محمد عثمان عوض الله يرد على طرح الشفيع خضر ويضع الدولة والعدوان الخارجي والمحاسبة في قلب معادلة السلام
متابعات – عاجل نيوز
نشر د. محمد عثمان عوض الله تعقيباً على المقال الذي كتبه د. الشفيع خضر في صحيفة القدس العربي بتاريخ 31 أغسطس 2026، تحت عنوان «الحوار السوداني بمن حضر، خيار كارثي»، معتبراً أن الطرح الذي قدمه الشفيع يركز على التسوية السياسية أكثر من كونه رؤية متكاملة لمعالجة جذور الأزمة السودانية والوصول إلى سلام مستدام.
ويرى عوض الله أن أي نقاش جاد حول مستقبل السودان يجب أن يبدأ من توصيف دقيق لطبيعة الأزمة، وتحديد الأطراف والمسؤوليات، وعدم تجاوز مؤسسات الدولة أو اختزال الصراع في مواجهة بين طرفين متساويين في الطبيعة والصفة القانونية.
الدولة ومؤسساتها في قلب الحل
يضع الكاتب مسألة الدولة ومؤسساتها في مقدمة ملاحظاته، منتقداً ما يعتبره غياباً للدولة ومؤسساتها القائمة في طرح الشفيع خضر.
وبحسب عوض الله، فإن التعامل مع السودان وكأنه يعيش فراغاً مؤسسياً يقود إلى توصيف غير دقيق للنزاع، خصوصاً عندما يُنظر إلى الجيش والدعم السريع باعتبارهما طرفين متساويين في الطبيعة والصفة القانونية والمشروعية.
ويؤكد أن الحل، من وجهة نظره، يجب أن يبدأ بالحفاظ على الدولة وتقوية مؤسساتها وتمكينها من أداء وظائفها الأساسية، وفي مقدمتها حماية المواطنين وصيانة السيادة الوطنية.
كما يرى أن الانتقال السياسي لا يمكن أن يقوم على تعطيل مؤسسات الدولة أو إقصاء القوات المسلحة، وإنما عبر العمل من خلال مؤسسات الدولة بصورة مهنية إلى حين قيام نظام مدني منتخب يخضع له الجميع، بما في ذلك القوات المسلحة.
المحاسبة وتفكيك بنية المليشيا
وفي المحور الثاني، ينتقد عوض الله ما يراه تجاوزاً للحديث عن الجرائم المنسوبة إلى مليشيا الدعم السريع ومسؤوليتها عنها، معتبراً أن هذا الجانب يمثل عنصراً أساسياً في تشخيص الأزمة والوصول إلى سلام عادل.
ويشير إلى أن الحديث عن وقف القتال وحل المليشيات ورفض الإفلات من العقاب يمثل نقاطاً مهمة، لكنه يرى أن المساواة بين الجيش والمليشيا في توصيف الصراع لا تضع الفوارق التي يعتبرها ضرورية لفهم طبيعة النزاع.
ويطالب بأن يتضمن أي اتفاق سلام تحديداً واضحاً للمسؤوليات الفردية والمؤسسية عن الجرائم، وإحالة المتهمين إلى محاكمات عادلة، إلى جانب محاسبة من يثبت تورطه في دعم الجرائم أو التحريض عليها أو توفير التمويل والسلاح والغطاء السياسي والإعلامي.
كما يشدد على أن أي تسوية لا تتضمن تفكيك البنية العسكرية والاقتصادية والسياسية للمليشيا، ونزع سلاحها ومحاسبة قياداتها، قد تؤدي، بحسب تقديره، إلى إعادة إنتاج الأزمة مستقبلاً تحت مسميات جديدة.
العدوان الخارجي في صلب الأزمة
ويرى الكاتب أن من أبرز النقاط التي غابت عن رؤية الشفيع خضر، بحسب تعبيره، قضية التدخل والدعم الخارجي المرتبط بالحرب.
ويقول عوض الله إن التعامل مع الأزمة باعتبارها حرباً داخلية فقط يتجاهل، من وجهة نظره، ما يصفه بتدفق الدعم الخارجي من أسلحة وأموال ومساعدات لوجستية ومقاتلين أجانب إلى أطراف النزاع.
وبناءً على ذلك، يعتقد أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على الحوار بين القوى السودانية، وإنما يجب أن تشمل أيضاً البعد الدولي، وتحديد مسؤولية الجهات الخارجية التي يُتهم بعضها بالمساهمة في استمرار الحرب، والعمل على وقف أي دعم عسكري أو مالي للأطراف المتحاربة وفق القانون الدولي.
الشعب السوداني ليس مجرد ضحية
أما النقطة الرابعة في تعقيب عوض الله، فتتعلق بدور الشعب السوداني في الحرب والسلام.
وينتقد الكاتب ما يراه اختزالاً للسودانيين في صورة النازحين والضحايا، مؤكداً أن قطاعات واسعة من السودانيين شاركت في الدفاع عن مدنها ومناطقها، وتحملت خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال الحرب.
ويرى أن أي تسوية سياسية لا تعكس مشاركة السودانيين ولا تعترف بتضحياتهم وحقوقهم لن تكون قادرة على إنتاج سلام مستدام.
ويضع ضمن هذه الحقوق التعويض وجبر الضرر وإعادة الممتلكات ومعالجة آثار النزوح والتهجير، معتبراً أن تجاهل هذه الملفات سيترك جذور الأزمة قائمة حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
التسوية السياسية أم السلام الشامل؟
وفي خلاصة تعقيبه، يذهب د. محمد عثمان عوض الله إلى أن الإشكال الأساسي في رؤية الشفيع خضر، وفق قراءته، يتمثل في تركيزها على التسوية السياسية وفق مقترحات اللجنة الرباعية، من دون إعطاء الوزن الكافي لما يراه الكاتب إرادة وطنية سودانية تشكلت خلال الحرب.
ويخلص إلى أن التسوية السياسية وحدها لا تكفي لصناعة السلام، وأن أي مشروع لإنهاء الحرب يحتاج إلى رؤية أوسع تشمل الدولة ومؤسساتها، والمحاسبة، وتفكيك المليشيات، ومعالجة آثار الحرب، وضمان حقوق المتضررين، فضلاً عن معالجة ملف التدخل الخارجي.
وبذلك يطرح عوض الله رؤيته للسلام باعتبارها عملية تتجاوز مجرد جمع الأطراف السياسية إلى معالجة الأسباب التي أدت إلى الحرب، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم إعادة إنتاج الأزمة مستقبلاً.
ويؤكد الكاتب في نهاية تعقيبه أن السلام الذي لا يستند إلى الإرادة الوطنية ولا يعالج جذور الأزمة، سيظل، في تقديره، مجرد تسوية مؤقتة لا تضمن استقرار السودان أو وحدته على المدى الطويل.