حين يصبح الدم رهينة للميول السياسية وتتحول المأساة إلى أداة صراع
صمت المحايدين عن مأساة الفاشر يكشف ازدواجية الإنسانية
الفاشر – تحليل خاص– عاجل نيوز
لو كان الجيش السوداني هو من يحاصر مدينة الفاشر اليوم، ويقصف المستشفيات والمساجد والبيوت، ويمنع عن الأهالي الدواء والغذاء،.
لاهتزت المنصات الافتراضية بالعويل، ولأطلقت منظمات الضغط السياسي مثل “محامو الطوارئ” عشرات الحملات الدولية، تندد وتدين وتُصدر البيانات، وتُنتج المقاطع المصوّرة لتأليب الرأي العام.
لكن لأن الفاعل في هذه المأساة هو مليشيا الدعم السريع، صمتت الجوقة ذاتها، وغابت بيانات الاستنكار التي كانت تملأ الفضاء الرقمي كلما تحرك الجيش لتحرير مدينة أو حماية مواطن.
المشهد اليوم يفضح التناقض، ويكشف أن الإنسانية التي يتغنون بها مشروطة بالانتماء السياسي، وأن الضحايا يُقسَّمون حسب الجهة التي أطلقت النار.
في الفاشر، تتهاوى المستشفيات تحت القصف، وتُستهدف الأحياء الآمنة بمدافع المليشيا، بينما يعجز السكان عن الحصول على الغذاء والدواء بفعل الحصار.
ومع ذلك، لم تصدر بيانات من أولئك الذين ملأوا الدنيا ضجيجاً أيام الخرطوم. لا صوت لهم اليوم، لأن المأساة لا تخدم أجندتهم، ولا يمكن تسويقها في حملاتهم ضد الدولة والجيش.
الازدواجية هنا لا تخطئها العين: فحين يرتكب الجيش فعلاً دفاعياً، يُتهم بارتكاب “جرائم حرب”، وحين تمارس المليشيا المجازر بحق المدنيين، يُسمى ذلك “اشتباكاً مؤسفاً”.
هذا الانحراف في الخطاب الحقوقي والإعلامي لا يضر الحقيقة فقط، بل ينسف جوهر العدالة ذاتها.
في النهاية، تظل الفاشر شاهدة على زمنٍ تتفاضل فيه الدماء، ويتواطأ فيه بعض من يرفعون راية الإنسانية مع القتلة بالصمت. إنها ليست حرب روايات، بل اختبار أخلاقي سقط فيه كثيرون دون أن يشعروا بالخجل.