انسحاب هجليج.. قرار استراتيجي لحماية خط النفط
متابعات – عاجل نيوز
لم يكن ما جرى في هجليج انسحابًا عشوائيًا أو قرارًا متسرعًا كما حاولت الآلة الدعائية للمليشيا تصويره، بل كان خطوة محسوبة بدقة في معركةٍ تتجاوز حدود العمليات الميدانية إلى حسابات النفط والاقتصاد والسيادة الوطنية والتوازنات الإقليمية.
حساسية المنطقة… ولماذا استُبعد خيار المواجهة المباشرة؟
منطقة هجليج ليست مجرد موقع جغرافي أو نقطة تماس عسكرية. هي مركز نفطي يرتبط مباشرة بخطوط الإنتاج التي تمتد حتى بورتسودان، وتشكل عنصرًا حيويًا لاقتصاد السودان وجنوب السودان معًا.
قبيل الهجوم على بابنوسة صدرت أوامر واضحة للمليشيا باتباع سياسة الأرض المحروقة، وهو أسلوب انتقامي يقوم على الإضرار بالمنشآت الحيوية كلما تعذّر تحقيق تقدم عسكري.
ولأن أي معركة في محيط هجليج تعني المخاطرة بمنشآت النفط، كان القرار الاستراتيجي عدم إدخال المنطقة في حرب شاملة مهما كانت الاستفزازات، لتجنيب البلاد أي قرارات دولية يمكن أن تُفرض تحت ذريعة “حماية الموارد الحيوية”.
التنسيق الأمني مع جنوب السودان… حقائق بلا مبالغة
قبل أسابيع من الأحداث، زار وفد عسكري سوداني رفيع دولة جنوب السودان في زيارة معلنة.
الزيارة لم تُنتج اتفاقًا عسكريًا مشتركًا كما رُوّج، لكنها ناقشت تنسيقًا فنيًا وأمنيًا لحماية خط الأنابيب، خصوصًا في ظل نشاط الحركة الشعبية–جناح الحلو في مناطق التماس.
تم تبادل معلومات دقيقة حول:
- حركة المجموعات المسلحة قرب الحدود
- أي تهديد محتمل لمنشآت النفط
- مراقبة المسارات التي قد تستغلها المليشيا أو داعموها لاستهداف البنية التحتية
كما دخلت جهات دولية وإقليمية — بينها الإيقاد والشركات المالكة للخط — على خط النقاشات، بحكم أن النفط يمثل عمودًا اقتصاديًا للبلدين.
الانسحاب… قرار عسكري لا يمكن التصريح به
الجيش كان أمام معادلة حساسة:
حماية المنشآت النفطية أم الاصطدام في منطقة قد تقود لتدويل الملف؟
لذلك تم تنفيذ انسحاب منظّم قبل ساعات من الهجوم المتوقع، وهو قرار لم يُعلن رسميًا لأن طبيعة الملف لا تسمح بالتعامل الإعلامي، خاصة مع انشغال أطراف إقليمية — بينها السعودية — باستثمارات مباشرة في خطوط النفط.
وخلال الترتيبات، تم تحميل الجهات الداعمة للمليشيا مسؤولية أي تخريب، كما حدث سابقًا في مصفاة الجيلي التي تعرضت لاستهداف ممنهج خدمةً لأجندات دولية وإقليمية.
لماذا لم يكن الانسحاب هزيمة؟
المليشيا حاولت تضخيم دخولها للمنطقة، لكنها بذلك وقعت في فخ سياسي وعسكري:
- فقد باتت هي المسؤولة أمام المجتمع الدولي عن أي ضرر يصيب منشآت النفط
- كما أصبحت في مواجهة رقابة دولية مباشرة على تحركاتها قرب خطوط الطاقة
- وفقدت عنصر “الغطاء الإعلامي” بعد كشف أهداف استراتيجيتها القائمة على التدمير
العبرة في الحرب ليست بلحظة الانسحاب، بل بخاتمة المعركة.
وهذا ما تؤكده السوابق:
سابقة الجزيرة… الدرس الذي لم تفهمه المليشيا
حين دخلت المليشيا ولاية الجزيرة مجددًا روّجت لانتصارات إعلامية، لكنها كانت قد كتبت نهاية وجودها هناك.
خلال أسابيع، نفّذ الجيش عملية استعادة واسعة ومنظمة انتهت بتحرير كل المعسكرات والقيادات والمواقع دون ترك فراغ ميداني واحد.
تحرير بحري… النموذج المتكرر
في بحري، تهاوت خطوط المليشيا بسرعة قياسية، لتنسحب بلا مكاسب، وتفشل في تثبيت أي وضع ميداني.
هذه العمليات توضح أن الجيش يخوض معركة طويلة النفس، ويستخدم فيها تكتيكات تتجاوز الاستعراض الإعلامي إلى إدارة الصراع بأبعاد اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية متشابكة.
الانسحاب من هجليج لم يكن تراجعًا، بل كان:
- قرارًا تكتيكيًا لحماية شريان النفط الوطني
- إفشالًا لمخطط تدويل المنشآت النفطية
- عزلًا للمليشيا وتحميلها المسؤولية عن أي تخريب
- خطوة ضمن معركة استراتيجية أشمل يجري تنفيذها بصمت
ومع تطور العمليات في غرب كردفان وجنوب دارفور وكردفان الكبرى لاحقًا، ستتكشف الصورة كاملة، كما تكشفت من قبل في الجزيرة وبحري.
إذا رغبت، أعد لك نسخة ثانية مُهيّأة للنشر في موقعك (مع العنوان المزدوج، والوصف التعريفي، والكلمة المفتاحية، والحدود التحريرية الخاصة بك 60/60/150).