من التحليل إلى التحريض: لماذا عاد السودان إلى واجهة الإعلام الإسرائيلي؟
لماذا يصعّد الإعلام الإسرائيلي خطابه ضد السودان الآن؟
تفكيك خطاب سياسي يتخفّى في ثوب الصحافة مع تغيّر موازين الصراع
متابعات – عاجل نيوز
قراءة استراتيجية – مكاوي الملك
لم يكن تصاعد الخطاب في بعض المنصات الإعلامية الإسرائيلية تجاه السودان تطورًا عفويًا أو انعكاسًا لقلق إنساني مفاجئ، بل جاء محمّلًا برسائل سياسية واضحة،.
انتقلت من خانة التحليل الصحفي إلى مربع التحريض المقنّع، في توقيت دقيق تشهد فيه الأزمة السودانية تحوّلات لافتة على المستويين الميداني والإقليمي.
القراءة المتأنية لهذا الخطاب تكشف نمطًا متكررًا: إعادة إنتاج سردية واحدة، بأدوات مختلفة، تقوم على تبييض أدوار إقليمية مثيرة للجدل،
مقابل شيطنة المؤسسة العسكرية السودانية، وتحميلها مسؤولية إطالة أمد الصراع، مع استدعاء فزّاعات جيوسياسية جاهزة كلما تغيّرت الوقائع على الأرض.
اللافت أن هذه التقارير تتجنّب، بشكل شبه منهجي، التوقف عند الأسئلة الثقيلة التي ظلّت بلا إجابات في الخطاب الغربي عمومًا، مثل طبيعة الانتهاكات الواسعة التي شهدتها بعض المناطق.
أو مسارات التسليح غير النظامي التي وثّقتها تقارير دولية، أو أسباب الصمت الطويل عن مآسٍ إنسانية باتت موثقة خارج نطاق الجدل السياسي.
بدلًا من ذلك، يجري التركيز على شعار “لا حل عسكري”، دون تقديم تصور عملي لكيفية بناء سلام في ظل غياب احتكار الدولة للقوة، أو معالجة واقع وجود تشكيلات مسلحة خارج الإطار المؤسسي. هذا الطرح، وفق محللين، لا ينطلق من قراءة واقعية لتعقيدات الحالة السودانية، بل من رغبة في فرض تسوية تُبقي موازين النفوذ مفتوحة.
في هذا السياق، يبدو أن عودة السودان إلى واجهة الإعلام الإسرائيلي ليست مرتبطة بتدهور الأوضاع، بقدر ما ترتبط بـ تغيّر اتجاهاتها. فمع صمود مؤسسات الدولة، وتراجع سيناريوهات التفكك السريع، وبدء تشكّل مسارات إقليمية جديدة لا تمر بالضرورة عبر القنوات التقليدية، يصبح الخطاب أكثر حدّة، وأقل توازنًا.
ويرى مراقبون أن هذا التحول من “التحليل” إلى “التحريض” يعكس ارتباكًا سياسيًا لدى أطراف راهنت على نتائج مختلفة، خصوصًا مع انكشاف حدود التأثير الإعلامي أمام وقائع ميدانية لا يمكن القفز فوقها.
في المحصلة، لا يدور الجدل الحقيقي حول السودان في صفحات الرأي أو التحليل الخارجي، بل حول سؤال الدولة والسيادة: هل يُسمح لدولة مأزومة بإعادة بناء نفسها وفق أولوياتها الوطنية، أم يُعاد تدويرها داخل مشاريع إقليمية أوسع؟
الإجابة عن هذا السؤال هي ما يفسّر، إلى حد بعيد، سبب ارتفاع نبرة بعض المنصات الآن. فالقضية لم تعد توصيف أزمة، بل إدارة خسارة رهان سياسي في لحظة إقليمية تتغيّر فيها الحسابات.