الاعتراف غير المعلن: بريطانيا وحلفاؤها في مرمى الاتهام بملف السودان
تورط بريطانيا والإمارات في أزمة السودان ومسعد بولس في واجهة الدفاع
تقرير استراتيجي يكشف تناقض الخطاب الغربي ودور المال السياسي في تغطية الصراع
متابعات – عاجل نيوز
تقرير: مكاوي الملك | Makkawi Elmalik
يرى مراقبون أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين غربيين بشأن الأزمة السودانية كشفت عن تناقض واضح بين الخطاب المعلن والممارسات الفعلية على الأرض.
فبينما تؤكد المملكة المتحدة التزامها بالحياد ودعم السلام، تشير تقارير دولية إلى تورط أكثر من اثنتي عشرة دولة في تدفق السلاح إلى السودان، في وقت يجري فيه استثناء الإمارات العربية المتحدة من الاتهام المباشر، رغم كثافة المؤشرات حول دورها في المشهد.
ويستند هذا الجدل إلى تصريحات نُسبت لمسؤولين بريطانيين اعترفوا بوجود شبكات إمداد سلاح معقدة، قبل أن ينفوا أي صلة مباشرة بالإمارات.
هذا التناقض فتح الباب أمام تساؤلات واسعة: لماذا يتم الاعتراف بانتشار السلاح من عدة دول، ثم يُستثنى طرف بعينه من دائرة المساءلة؟
في هذا السياق، برز اسم رجل الأعمال والمبعوث الأمريكي مسعد بولس، المقرب من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بوصفه أحد أبرز المدافعين عن الموقف الإماراتي في المحافل الدولية.
فقد دأب بولس على التأكيد أن أبوظبي ليست طرفًا في الصراع، وأن الاتهامات الموجهة إليها تفتقر إلى الأدلة.
غير أن محللين يرون أن صعود بولس السريع في دوائر القرار لم يكن معزولًا عن شبكة المصالح الاقتصادية والاستثمارات الضخمة، التي ربطت بين عواصم القرار في واشنطن ولندن وأبوظبي.
ويذهب هؤلاء إلى أن المال السياسي بات عنصرًا حاسمًا في إعادة صياغة المواقف الرسمية، بعيدًا عن الاعتبارات الإنسانية أو القانونية.
وتشير تقارير متعددة إلى أن الصراع في السودان لم يعد شأناً داخليًا، بل تحول إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية.
ويُتهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالاستفادة من هذا التشابك، عبر بناء شبكة علاقات خارجية وفرت له الدعم السياسي واللوجستي.
من ناحية أخرى، يربط خبراء بين الموقف البريطاني والاستثمارات الإماراتية الضخمة في العاصمة لندن، سواء في قطاع العقارات أو البنوك أو الجامعات.
فهذه الاستثمارات، بحسب محللين، تمنح أبوظبي نفوذًا غير مباشر داخل دوائر صنع القرار، يجعل توجيه الاتهام العلني أمرًا بالغ الحساسية سياسيًا واقتصاديًا.
كما يبرز ملف الذهب القادم من مناطق النزاع، خاصة من إقليم دارفور، بوصفه أحد أبرز نقاط الجدل.
إذ تشير تقارير إلى أن هذا المورد الحيوي أصبح جزءًا من شبكة تمويل غير شفافة، تمر عبر عدة دول قبل أن تصل إلى الأسواق العالمية، في ظل ضعف الرقابة الدولية.
وفي مقابل هذا المشهد، تظهر دول إقليمية أخرى في موقع مختلف، مثل مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وقطر، التي تبرر مواقفها بدوافع تتعلق بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي.
وتؤكد هذه الدول أن تدخلها يهدف إلى منع انهيار الدولة السودانية ومنع انتقال الفوضى إلى محيطها.
في المقابل، يرى منتقدون أن الدور الإماراتي يختلف من حيث الدوافع، إذ لا يرتبط بحدود مباشرة مع السودان، ولا بمخاطر أمنية فورية، بل بمصالح استراتيجية تتعلق بالموانئ والنفوذ في القرن الإفريقي والعلاقات مع إسرائيل.
ويعتبر هؤلاء أن هذا النمط من التدخل يعكس ما يسمونه “الاستثمار في الفوضى” بدل السعي الحقيقي إلى الاستقرار.
وتُظهر الإحصاءات الإنسانية حجم المأساة التي خلفها الصراع، من نزوح جماعي وتدهور اقتصادي وانهيار للخدمات الأساسية.
ورغم ذلك، ما زالت المواقف الدولية، وفق منتقدين، أسيرة الحسابات السياسية والاقتصادية، أكثر من كونها محكومة باعتبارات العدالة وحقوق الإنسان.
وفي الخلاصة، يكشف هذا الملف عن صورة معقدة للنظام الدولي، حيث تختلط المبادئ بالمصالح، وتُعاد صياغة الخطابات بحسب ميزان المال والنفوذ.
فبين اعترافات جزئية ونفي انتقائي، يظل السودان ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الكبرى والإقليمية.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع المؤسسات الدولية كسر هذا النمط من النفاق السياسي، وفرض معايير موحدة للمساءلة، أم أن منطق المصالح سيظل هو الحاكم الأول؟.
حتى الآن، تشير الوقائع إلى أن العدالة الدولية ما زالت رهينة التوازنات، وأن معاناة الشعوب تأتي في مرتبة متأخرة ضمن أولويات صناع القرار.