البطل الذي اختفى في الظلام ليصبح عين الجيش السوداني القاتلة في قلب العدو
متابعات – عاجل نيوز
قفْ وأخشع، ثم إخلع نعليك وطهر سمعك، لتمتع ناظريك، فأنت أمام محراب شُيد من تضحيات الرجال. اليوم نكشف الحجاب عن شبحٍ أحمر أرَّقَ مضاجع البغاة، رجل باع الدنيا مرتين: مرة حين ركض نحو الموت والناس يفرون منه، ومرة حين دفن هويته ليعيش غريباً في أحشاء العدو.
إنه المجاهد حماد السيد عثمان الملقب بـ”الأحمر”، الفارس الذي صاغ النصر بصمت، الموت الزؤام الذي يسكن بيوت الظالمين وهم لا يشعرون.
تأمل جسارته منذ البداية؛ حين انفتحت أبواب الجحيم في المدينة الرياضية وانشطرت القلوب هلعاً، كان الناس يفرون غرباً، بينما كان حماد يركض شرقاً نحو قلب الحريق، لا باحثاً عن حياة، بل عن سلاح يذود به عن الحياض.
رغم رفضه للالتحاق بالدروع، لمح الشهيد القائد مهند في عينيه بريق الفدائيين وأوكل إليه المهمة الأشق على النفس: كُن واحداً منهم في الظاهر، ولتكن خنجرنا في باطنهم.
لبس حماد الكدمول وذاب في زحام الميليشيا، ليصبح العين التي لا تنام وسط غرف عملياتهم. من بين ضحكاتهم الزائفة ونشوة غدرهم، كان يرسل الإحداثيات القاتلة، يحدد مواقع مدافع الهاون، يدل المسيرات على مخازن الذخيرة، ويحصي أنفاسهم.
بفضله صار الجيش يرى ما خلف الجدران ويحطم الخدمات المتينة للعدو بضربات جراحية دقيقة.
وفي ملحمة تحبس الأنفاس، نسقت عملية جهاز الإشارة؛ حيث توغلت قوة من الأبطال خلف خطوط العدو، وظهر حماد بهيئة دعامي ليسلمهم الصندوق الأسود، ليغير موازين الأرض، ويرصد فزعهم قبل أن يتحركوا، ويصب فوق تجمعاتهم حميم الراجمات قبل أن يرتد إليهم طرفهم.
لم يكتفِ بالرصْد، بل مارس هندسة الانهيار من الداخل؛ ففي معارك غزة، تسلل لسيارات العدو وفصل أسلاكها، وبرد أعصابه مذهل. وعندما حاول الأوغاد الفرار، وجدوا حديدهم جثثاً هامدة، تاركين غنائم باردة لجنودنا.
كان هو المخرج الذي وثق دمارهم في المدينة الرياضية، ومنقذ الحصار عن القناصة، وأسر قادتهم وفك قيود الرهائن بذكاء ودهاء يفوق الوصف.
وحين كشف أمره بتسريب غير مقصود، نُفذت عملية الإخلاء الكبرى، ليخرج “حماد الأحمر” من غياهب العدو سالماً، غانماً بياض الوجه وطهر السيرة، بعد أداء أمانة تنوء بحملها الجبال.
يا من تقرأ هذه الكلمات، اسأل نفسك: أي طراز من الرجال يبيت عاماً كاملاً يوسد رأسه الموت، ويأكل من طعام أعدائه وهو يتحين الفرصة لذبح باطلهم؟ حماد السيد عثمان يضع أمامنا مرآة كاشفة؛ إذا رجل واحد فعل كل هذا في قلب الظلام، فما هو عذرك وأنت في وضح النهار؟
السودان لا يُهزم، وفي رحم نسائه أمثال حماد؛ رجل آثر الخفاء ليحيا الوطن، وصار أسطورة تمشي على قدمين، تُعلمنا أن النصر صبر ساعة، وأن الإيمان يغلب العتاد، وأن الباغي مهما تغلغل، فإن له عيناً ترصده من حيث لا يحتسب.
طوبى لك يا حماد، وهنيئاً للوطن بقلب كقلبك. فمَن يختراق المستحيل، فإن فجر الكرامة آتٍ لا محالة، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.