محمد حامد جمعة نوار يروي مشاهد من قلب الحرب تكشف صلابة الجنود بين الألم والواجب
متابعات – عاجل نيوز
في سردٍ إنساني عميق ومشحون بالمشاهد المؤثرة، يستعيد الكاتب محمد حامد جمعة نوار تفاصيل من ذاكرة الحرب، مقدماً روايات حية تعكس جانباً مختلفاً من معركة لا تُختصر في خطوط النار وحدها، بل في مواقف رجال واجهوا أقسى الظروف بثبات لافت.
يبدأ نوار حكايته من أحد أحياء العاصمة في أغسطس 2023، حين تم الإرشاد إلى منزل أحد العسكريين الذي اضطر للبقاء بجوار والدته المريضة والعمياء، غير قادر على نقلها بسبب حالتها الصحية الحرجة.
لحظة اقتحام المنزل كانت فاصلة، إذ تم سحبه تحت الضرب، لكنه – كما يروي الكاتب – لم ينكسر، بل ظل يهتف باسم الجيش ووحدته رغم الألم، في مشهد يقول نوار إنه لم يكن ليُصدق لولا أنه شاهده بعينه.
هذه الواقعة، كما يقدمها محمد حامد جمعة نوار، ليست استثناءً، بل نموذجاً يتكرر في أكثر من موقع. ضابط جاء في إجازة عيد، وما إن اندلعت الحرب حتى اختار أقرب وحدة عسكرية والتحق بها، ليخرج مصاباً من خطوط المواجهة.
وآخر نقل أسرته إلى مكان آمن ثم عاد فوراً إلى صفوف “المدرعات”، بينما يروي عن جندي دُفن نصف جسده في الأرض، وعند إطلاق النار عليه رفع إصبعه ملوّحاً بالنصر حتى اللحظة الأخيرة.
قصص تتجاوز الجغرافيا
ولا تتوقف روايات نوار عند لحظات الاشتباك، بل تمتد إلى ما بعدها. يحكي عن ضابط متقاعد صادفه صدفة في أحد شوارع الخرطوم، يحمل آثار الشظايا على وجهه، متجهاً لاستلام معاشه، قبل أن يلتقيه مرة أخرى بعد اندلاع الحرب في منطقة بعيدة، يقود بنفسه مركبة تقل جنوداً نحو خطوط المواجهة.
هذه القصص، كما يوضح الكاتب، تمتد عبر جغرافيا واسعة من شرق البلاد إلى غربها وجنوبها، حيث يتنقل الجنود – في الخدمة أو بعد التقاعد – بين الجبهات، مدفوعين بما يصفه بـ”عهد غير مكتوب” يجمعهم على الالتزام والواجب.
ثقة لا تهتز
ويعبر محمد حامد جمعة نوار في ختام طرحه عن ثقة عميقة في هذه النماذج، معتبراً أن ما يميزها ليس فقط القدرة القتالية، بل الارتباط بقيم الشرف والواجب والتضحية، وهي عناصر – بحسب وصفه – تمنح حالة من الطمأنينة رغم تعقيدات المشهد.
ويشير إلى أن هذه الروح القتالية ظهرت في أصعب لحظات المواجهة، عندما كانت المعارك على مسافات قريبة، مؤكداً أن صمود هؤلاء في تلك الظروف هو ما يجعله أكثر اطمئناناً لمجريات الأحداث، مهما بدت التحديات كبيرة.
رسالة تتجاوز السرد
التقرير الذي يقدمه نوار لا يقتصر على التوثيق، بل يحمل رسالة واضحة: أن ما يجري لا يمكن فهمه فقط من خلال البيانات العسكرية أو التطورات الميدانية، بل عبر قراءة الإنسان في قلب المعركة.
ويختتم الكاتب بفكرة محورية تلخص رؤيته: أن العلاقة مع الجيش ليست ظرفية، بل تمتد من الرخاء إلى الشدة، قائلاً إن المحبة في الأوقات الصعبة تتضاعف، لأنها تُبنى على التجربة والتضحيات، لا على الشعارات.
وبين مشاهد الألم والصمود، يترك التقرير انطباعاً بأن ما يُكتب عن الحرب قد لا يكون كافياً لفهمها، لكن هذه القصص، كما أراد لها محمد حامد جمعة نوار، تفتح نافذة على جانبٍ إنساني عميق من واقعٍ معقد.