الحسد في السودان ..“قطع الزهرة الطويلة” ثقافة تهدد الكفاءات وتخنق التنمية
متابعات – عاجل نيوز
في واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيداً وإثارة للقلق، يطرح الكاتب فضل محمد خير تساؤلات عميقة حول انتشار الحسد في المجتمع السوداني، وتحوله من شعور إنساني طبيعي إلى سلوك تدميري يهدد بنية المجتمع ويقوض فرص التقدم.
ويستهل الكاتب مقاله بحكاية شعبية رمزية عن مجموعة أشخاص عالقين في بئر، حيث يفشلون في النجاة ليس بسبب ضعفهم، بل لأن كل من يحاول الصعود يتم سحبه إلى الأسفل من الآخرين. هذه الصورة، بحسب الكاتب، تعكس بدقة ما يُعرف عالمياً بـ “متلازمة قطع الزهرة الطويلة”، حيث يُعاقَب كل من يبرز أو يتفوق بدلاً من دعمه.
ويشير فضل محمد خير داخل المتن إلى أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في مجالات محددة، بل امتدت لتشمل مختلف القطاعات، من الاقتصاد إلى التعليم والرياضة، حيث أصبح النجاح في حد ذاته سبباً للاستهداف والتشكيك، بل ومحاولات الإقصاء والتدمير.
ويستعرض المقال آراء عدد من المفكرين السودانيين الذين رصدوا هذه الظاهرة منذ وقت مبكر، حيث شبّه الدكتور منصور خالد الحاسدين بمن يلاحقون النجاح دون القدرة على بلوغه، بينما أشار آخرون إلى أن الحسد أصبح سلوكاً متجذراً في بعض البيئات الاجتماعية، يؤثر بشكل مباشر على العلاقات والفرص.
وبحسب الطرح، فإن الخطورة الحقيقية لا تكمن في مجرد الشعور بالحسد، بل في تحوله إلى سلوك عملي يتمثل في نشر الشائعات، وتشويه السمعة، وعرقلة مسيرة الناجحين، وهي ممارسات أصبحت أكثر وضوحاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
ويقدم الكاتب مثالاً واقعياً على ذلك من خلال استهداف بعض المؤسسات الوطنية الناجحة، خاصة في القطاع المصرفي، حيث تحولت التطبيقات البنكية إلى شريان حياة للمواطنين في ظل الظروف الحالية، ومع ذلك لم تسلم من حملات التشويه، ما يعكس مفارقة مؤلمة بين الحاجة لهذه المؤسسات والرغبة في تقويضها.
ويحذر المقال من أن استمرار هذه الثقافة قد يؤدي إلى نتائج كارثية، أبرزها هروب الكفاءات، وتراجع الاستثمار، وفقدان الثقة في بيئة العمل والإنتاج، مما ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني ومستقبل البلاد.
كما يسخر الكاتب من هذا الواقع عبر طرح تصور افتراضي لما أسماه “دولة التواصل”، حيث تتحول القيمة إلى عدد الإعجابات، ويصبح الهجوم على الآخرين مهنة، في إشارة إلى خطورة الانزلاق نحو مجتمع يستهلك الطاقات في الهدم بدلاً من البناء.
وفي ختام المقال، يؤكد فضل محمد خير أن السودان لا يزال يزخر بالنماذج الإيجابية التي تعمل بإخلاص، داعياً إلى تغيير هذه الثقافة السلبية، واستبدالها بروح التعاون ودعم النجاح، باعتبار أن تقدم الأفراد هو في النهاية تقدم للمجتمع بأكمله.
ويشدد على أن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بالوعي، والاعتراف بخطورتها، والعمل على تعزيز قيم التقدير والتشجيع، حتى يتمكن المجتمع من تجاوز أزماته وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.