“حروب الممرات ونهاية الرهانات الخاسرة”.. قراءة في تفكيك المشهد الإقليمي للسودان
السودان في قلب الصراع الإقليمي: لماذا تصر السعودية على الحكومة المدنية وماذا تريد الإمارات؟
ما وراء الكواليس: الحقائق المسكوت عنها في صراع الأجندات وكيف أصبحت السيادة السودانية هي “المسمار الأخير” في نعش المشاريع التوسعية.
متابعات – عاجل نيوز
مكاوي الملك
إن المعركة في السودان لم تعد تُقرأ من خلال الميادين العسكرية فقط، بل من خلال “غرف الدبلوماسية الخلفية” التي تشهد صراعاً ضارياً بين رؤيتين متناقضتين: رؤية “بناء الدولة المستقرة” التي تقودها السعودية بتركيزها على حكومة مدنية كقاطرة للاستقرار، ورؤية “اللاعب الأساسي” التي تحاول أبوظبي التمسك بها عبر قنوات خلفية، مستخدمةً أدوات ضغط تارةً، ومحاولات تقارب تارةً أخرى.
إن المشهد الحالي هو “مرحلة تكسير أجنحة” لكل من حاول تحويل السودان إلى ساحة خلفية لمشاريعه الخاصة.
المربع الاستراتيجي: تضارب الأهداف
التوجه الاستراتيجي يتجاوز مجرد “الوساطة”؛ فهي تدرك أن الفراغ السياسي في السودان سيفتح الباب لإيران أو تركيا أو حتى عودة النفوذ الإماراتي المنفلت.
لذلك، تصر على “حكومة مدنية” (بقيادة كامل إدريس) ليس من باب الترف الديمقراطي، بل كـ “درع أمني” يمنع أي عودة للمليشيات أو التنظيمات المتطرفة، ويعيد السودان إلى الحاضنة العربية التقليدية تحت مظلة الرياض.
الإمارات: تجد نفسها اليوم في “مأزق استراتيجي”. فالاستثمار في المليشيا تحول من “ورقة نفوذ” إلى “عبء حقوقي وسياسي” يهدد سمعتها الدولية.
التقارب الإماراتي-الإيراني زاد من تعقيد الموقف لدى الحلفاء ، وأصبح التحدي أمام أبوظبي هو: كيف تخرج من السودان دون أن تظهر بمظهر “المهزوم” أو “الخاسر” للنفوذ في الممرات المائية الحيوية؟
مصر: تراقب بعين “الأمن الوجودي”. بالنسبة للقاهرة، السودان ليس ساحة للتنافس الإقليمي، بل هو عمق استراتيجي يتصل بالأمن المائي والحدود الغربية
التحرك المصري يتسم بالبطء المتعمد؛ لأن القاهرة تراهن على أن “الحسم العسكري” للجيش هو الضمانة الوحيدة، وأن أي تسوية سياسية قبل انكسار المليشيا قد تنتج “نظاماً هجيناً” لا يخدم مصالح مصر.
لماذا انهارت “محادثات الرباعي”؟
تقرير المحلل مكاوي الملك الذي أشار إلى فشل محادثات واشنطن في يوليو 2024 هو مفتاح لفهم العقلية السودانية الحالية.
لقد اكتشفت الخرطوم أن منصات الوساطة الدولية كانت تُستخدم كـ “مصائد” لفرض إملاءات سياسية.
الأدلة التي قدمها الجانب السوداني حول الدعم الإماراتي لم تكن مجرد معلومات استخباراتية، بل كانت “صفعة دبلوماسية” أنهت زمن التذاكي على الجيش.
منذ تلك اللحظة، أدركت أبوظبي أن السودان لم يعد “الحلقة الأضعف”، بل هو خصم يعرف كيف يستخدم “أوراق الضغط” في الوقت المناسب.
إن ما نراه اليوم من تحركات بحرينية، أو ضغوط سعودية، ليس صدفة. نحن أمام مرحلة “إعادة ترتيب الأوراق” بعد أن أثبتت المليشيا عجزها عن حسم المعركة، وبعد أن أدرك الجميع أن “الرهان على التفتيت” كان فكرة كارثية.
إن الإصرار السوداني على عدم التفاوض تحت النار ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو استراتيجية سيادية تهدف إلى فرض واقع جديد: لا دور لمن تلطخت أيديهم بالدم، ولا عودة لمن خان القسم.
هل يمكن أن نشهد “تحالفاً إقليمياً جديداً” يقصي النفوذ الإماراتي تماماً من المشهد السوداني، أم أن لغة المصالح ستجبر الجميع على الوصول إلى “صفقة الحد الأدنى” التي تُبقي الجميع في اللعبة؟