عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
راتب الـ44 مليوناً وسر تغيّر سياسات البنك.. عادل الباز يرد على منتقدي آمنة ميرغني تطورات صادمة ... قبل بلوغ الدبة.. اعتقال قائد بارز بالمليشيا حاول تسليم نفسه للجيش دفاعاً عن آمنة ميرغني.. عادل الباز يرد على منتقدي راتب محافظ بنك السودان اعترافات مرتزق كولومبي تكشف طريق المقاتلين الأجانب إلى نيالا عمليات نصب واسعة تستهدف السودانيين في مصر عبر تطبيق «بنكك».. والإمساك بأحد المحتالين واسترداد الأموا... مسيرة انتحارية تستهدف منزل قيادي رفيع بالقوة المشتركة في الأبيض.. ونجاته بأعجوبة بأوامر من أدم قارح .. جـ ريمة مروعة في منطقة أم هجيليج بدار الزيادية .. تصـ.فية 11 شاباً من أبناء ال... الكتلة الديمقراطية في تصريح صحفي حاسم: لن نعود إلى الماضي تحت لافتة الحوار ولن نقبل بصفقات إعادة توز... صاحب سيارة «التوسان» يروي تفاصيل واقعة شارع النيل بأمدرمان ويكشف ملابسات الفيديو المثير للجدل مشروع عقبة ياس.. صراع النفوذ يكشف أزمات شرق السودان

حسن مكي يروي 38 يوماً في جحيم الحرب: خرجنا من الخرطوم بوجع كبير

حسن مكي يروي 38 يوماً من جحيم الحرب

 

المفكر السوداني يكشف تفاصيل النزوح من الخرطوم ورحلة شندي والشتات ويصف البرهان بالقائد الشجاع

 

متابعات – عاجل نيوز 

في شهادة تحمل كثيرًا من الوجع والذكريات والقراءة السياسية والاستراتيجية، يستعيد البروفيسور والمفكر السوداني حسن مكي تفاصيل الأيام الأولى للحرب، .

التي عاشها داخل الخرطوم قبل أن يضطر إلى مغادرتها، متنقلًا بين شندي وإثيوبيا والعمرة ثم بريطانيا، في رحلة اختلط فيها الخوف بالنزوح والحنين إلى الوطن.

وفي حوار توثيقي أجراه معه رمضان محجوب، تحدث حسن مكي عن 38 يومًا وصفها بأنها كانت من أصعب أيام حياته، مؤكدًا أن الحرب لم تمر عليه كحدث سياسي أو عسكري فحسب، وإنما تركت آثارًا عميقة في نفسه وأحساسه بالزمن.

وقال حسن مكي إنه قضى 38 يومًا مع لجنة الطوارئ بجامعة أفريقيا، في ظروف خرجت تمامًا عن سياق الحياة الطبيعية، واصفًا تلك الفترة بأنها بدأت بـ«جحيم لا يوصف».

وفي خضم تلك الظروف، كانت الجامعة تواجه مهمة شاقة تتمثل في تأمين إجلاء آلاف الطلاب الأجانب، الذين ينتمون إلى دول مختلفة، إلى جانب مئات الطلاب السودانيين الذين تفرقوا في بلدان عديدة.

وقال إن نحو 5000 طالب أجنبي كانوا بحاجة إلى الإجلاء، وإن عملية إخراجهم امتدت إلى وجهات متعددة شملت ماليزيا وإندونيسيا ونيجيريا وتشاد وجنوب أفريقيا، وصولًا إلى أكثر من 63 دولة.

ويصف مكي تلك المهمة بأنها كانت أقرب إلى المستحيل، في ظل الانهيار الأمني والاضطراب الكبير الذي رافق الساعات والأيام الأولى للحرب.

الخوف يحيط بالجامعة

يستعيد حسن مكي صورة الخرطوم في تلك الأيام باعتبارها مدينة مفتوحة على الخوف والمجهول، حيث كانت أصوات الطائرات والقصف والتحركات العسكرية تحاصر المدنيين.

وقال إن السماء كانت «تمطر رعباً»، في وقت كانت فيه الطائرات الحربية تضرب من حين إلى آخر، بينما تتحرك القوات المسلحة على الأرض في محاولة لصد الهجمات.

وفي وسط هذا المشهد، يشير مكي إلى أن عددًا من الفدائيين كانوا يزورونهم في الجامعة، ويتبادلون معهم الكلمات والمواقف بهدف رفع الروح المعنوية.

ويستذكر بصورة خاصة الشهيد محمد الفضل، الذي قال إنه كان يتعجب من قدرته على الحضور في تلك الظروف الخطرة.

ويقول مكي إن تلك الأيام الثمانية والثلاثين لم تكن بالنسبة إليه مجرد فترة زمنية عابرة، وإنما بدت وكأنها سنوات كاملة من الخوف والقلق والانتظار.

ويختصر المشهد بقوله إن الطير هاجر، والناس هجروا ديارهم، بينما أصبح التوجس هو سيد الموقف.

الخروج من الخرطوم

بعد 38 يومًا من العيش في ظروف الحرب، أصبح البقاء في الخرطوم أكثر صعوبة، خاصة بعد صدور أوامر بالمغادرة.

ويقول حسن مكي إنه خرج من العاصمة «بوجع كبير»، بعد أن فقد أهلًا وأقارب، وتعرضت المنازل للنهب، وأصبحت مغادرة الخرطوم أمرًا لا مفر منه.

كانت وجهته مدينة شندي، في رحلة وصفها بالشاقة والخطرة، قبل أن يجد فيها استقبالًا قال إنه يمثل صورة ناصعة من صور الكرم السوداني.

ويذكر مكي أسرة عبد الكريم السيد باعتبارها إحدى الأسر التي فتحت أبوابها للنازحين، مشيرًا إلى أنهم كانوا يستقبلون خلال شهر رمضان أكثر من 30 شخصًا يوميًا، ويتكفلون بالطعام والذبائح، رغم محدودية الموارد وصعوبة الظروف الاقتصادية في بدايات الحرب.

ويقول إن إقامته لدى الأسرة امتدت نحو ثلاثة أشهر، حتى أصبحوا، بحسب وصفه، أسرة واحدة يتقاسمون الطعام والمصير.

البرهان واللحظات الحاسمة

وفي حديثه عن المؤسسة العسكرية خلال الأيام الأولى للحرب، أشاد حسن مكي بصمود رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، واصفًا إياه بالرجل الشجاع.

وقال إن طبيعة الجيش في ذلك الوقت كانت مختلفة عما قد يتصوره البعض، موضحًا أن المقاتلين كانوا قلة مقارنة بأعداد طواقم الدعم المختلفة، من سائقين وطباخين وكتبة وأطقم فنية وتقنية.

ويرى مكي أن صمود هؤلاء، إلى جانب القيادة العسكرية، كان عاملًا مهمًا في منع انهيار الدولة خلال اللحظات الأولى للحرب.

ويشير في الوقت نفسه إلى أن المؤسسة العسكرية كانت تواجه تحديات بنيوية كبيرة، وأن الحرب كشفت عن تعقيدات واسعة في توزيع القوى والمهام.

شندي.. الفرصة التي لم تستغل

ومن أبرز النقاط التي توقف عندها الحوار قراءة حسن مكي للتحركات العسكرية في بدايات الحرب، خاصة ما يتعلق بمدينة شندي.

ويقول مكي إن قوات الدعم السريع كانت أمام فرصة كبيرة للسيطرة على شندي، معتبرًا أن عدم استغلالها لهذه الفرصة كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها خلال مسار الحرب.

ويضيف أنه لو تمكنت القوات من السيطرة على شندي، لكان الطريق مفتوحًا أمامها باتجاه مناطق أخرى، وكان من الممكن أن تتغير خارطة الصراع بصورة كبيرة.

ويرى أن تماسك الحاميات العسكرية وأهل المنطقة أسهم في منع حدوث تحول استراتيجي بالغ الخطورة.

المصورات والآثار.. معركة من نوع آخر

وفي جانب آخر من حديثه، يتطرق حسن مكي إلى مناطق الآثار في المصورات وغيرها، وما وصفه بالمخاوف من تحولها إلى ساحات قتال.

ويشير إلى الدور الذي لعبه البروفيسور جعفر ميرغني، الذي قال إنه تواصل مع القيادة السياسية والعسكرية للتحذير من خطورة دخول القوات إلى تلك المناطق.

وبحسب مكي، فإن طبيعة المناطق الجبلية والتحصينات الطبيعية كانت يمكن أن تجعل إخراج أي قوة مسلحة منها بالغ الصعوبة، وهو ما كان سيعرض السكان والمواقع الأثرية لخطر كبير.

ويعتبر مكي أن حماية تلك المناطق لم تكن مجرد مسألة عسكرية، وإنما كانت أيضًا حماية لذاكرة السودان التاريخية وتراثه الحضاري.

الحرب التي أضافت سنوات إلى العمر

ربما كان الجانب الأكثر إنسانية في شهادة حسن مكي حديثه عن أثر الحرب على عمر الإنسان.

ويقول إن الحرب أضافت إلى عمره «سنوات من الشيخوخة القسرية»، بسبب الخوف وانعدام المعلومات والاتصال وغياب القدرة على اتخاذ القرار.

ويصف الغربة الحقيقية خلال تلك الفترة بأنها لم تكن فقط مغادرة المكان، وإنما فقدان المعلومات وانقطاع الاتصال وانعدام الخدمات الأساسية، خصوصًا الكهرباء والمياه.

ومن الخرطوم إلى إثيوبيا ثم بريطانيا

بعد خروجه من السودان، انتقل حسن مكي إلى إثيوبيا برفقة ابنه، قبل أن يؤدي العمرة، ثم يتجه إلى بلفاست، حيث توجد أسرته.

وبعد ذلك انتقل إلى لندن، حيث استقبله الدكتور بكري عثمان، أحد زملائه في الدراسة الجامعية.

ويستعيد مكي ذكريات لندن وليستر، حيث عاش سابقًا طالبًا وباحثًا، مشيرًا إلى أنه عاد إلى أماكن عرفها قبل عقود، لكن هذه المرة في ظروف مختلفة تمامًا.

فالغربة التي عاشها شابًا كانت غربة بحث ومعرفة، بينما غربة اليوم، كما يصفها، هي غربة رجل يبحث عن وطن أنهكته الحرب.

برمنجهام.. سودانيون ومساجد وذاكرة وطن

استقرت رحلة حسن مكي لاحقًا في مدينة برمنجهام البريطانية، التي وجد فيها بيئة أكثر ملاءمة بسبب كثافة الوجود السوداني وكثرة المساجد.

ويقول إن وجود الجالية السودانية في المدينة جعل الحياة أقل قسوة، وأتاح له التواصل مع السودانيين ومتابعة أخبار الوطن والأهل.

وهكذا تحولت رحلة حسن مكي من 38 يومًا داخل «جحيم» الخرطوم إلى رحلة طويلة بين المدن والدول، حمل خلالها معه ذاكرة الحرب وأسئلة المستقبل.

شهادة رجل عاش الحرب من الداخل

لا يقدم حوار حسن مكي مجرد سرد شخصي لرحلة النزوح، وإنما يفتح نافذة على واحدة من أكثر مراحل السودان اضطرابًا.

فالرجل الذي عاش الأيام الأولى للحرب في الخرطوم، وشاهد الخوف والارتباك، ثم خرج إلى شندي وعاش بين النازحين، وانتقل بعد ذلك إلى الغربة، يعود ليقرأ الأحداث بعيون المفكر والخبير الاستراتيجي، مستندًا إلى تجربة شخصية ثقيلة لا يمكن فصلها عن تحليله السياسي والعسكري.

وبين تفاصيل الإجلاء والخوف، وكرم أسرة عبد الكريم، وصمود الحاميات، ورحلة الشتات، تبقى العبارة الأكثر اختصارًا لشهادته: الحرب لم تسرق من السودانيين بيوتهم ومدنهم فقط، وإنما سرقت من كثير منهم جزءًا من أعمارهم، وتركت وراءها وطنًا يبحث عن طريق العودة وإعادة البناء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.