من العباسية إلى كيلي.. هل بدأت المليشيا عمليات التعويض بعد خسائر الصحراء؟
من العباسية إلى كيلي.. عمليات تعويض المليشيا
هجمات متزامنة في جنوب كردفان والنيل الأزرق تثير تساؤلات حول خطة استنزاف الجيش وتعويض خسائر الإمداد
الخرطوم – عاجل نيوز
تزامنت خلال الأيام الماضية هجمات وتحركات عسكرية في عدد من مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق، في مشهد يرى الكاتب د. إبراهيم الصديق علي أنه قد لا يكون منفصلاً عن التطورات الميدانية الأخيرة، خصوصاً الخسائر التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في محاور الصحراء وشمال كردفان.
ويضع الكاتب ما جرى في كيلي بولاية النيل الأزرق، والهجمات التي شهدتها العباسية تقلي وتبسة في جنوب كردفان، ضمن ما وصفه بـ”عمليات تعويض”، معتبراً أن الهدف قد يكون إشغال القوات المسلحة بمعارك جانبية، إلى حين إعادة ترتيب صفوف قوات الدعم السريع وتعويض ما فقدته من أفراد وعتاد.
كيلي.. هجوم متعدد الأسلحة
ويشير إبراهيم الصديق علي إلى الهجوم الذي وقع على كيلي بولاية النيل الأزرق يوم الخميس 27 أغسطس 2026، قائلاً إن قوات الدعم السريع استخدمت خلاله أسلحة ووسائط عسكرية متعددة، بينها الطائرات المسيّرة والقصف والعربات القتالية.
كما يتحدث الكاتب عن مشاركة مجموعات مسلحة متحالفة مع قوات الدعم السريع، ويشير إلى دعم إثيوبي، وهي معلومات تظل بحاجة إلى تأكيد مستقل من مصادر أخرى.
وبحسب روايته، انتهى الهجوم بخسائر كبيرة في صفوف المهاجمين، إلى جانب فقدان عتاد وأسلحة، إلا أن تكرار المحاولات الهجومية دفعه إلى التساؤل حول الهدف الحقيقي من استمرار هذه العمليات رغم الخسائر.
العباسية وتبسة.. جبهة أخرى تشتعل
وفي جنوب كردفان، يقول الكاتب إن قوات الدعم السريع وتحالف عبدالعزيز الحلو حاولت التقدم باتجاه مناطق وصفها بالآمنة، مشيراً إلى هجمات وقعت يومي الخميس والجمعة في منطقتي العباسية تقلي وتبسة.
وبحسب المقال، شهدت المنطقة تحركات لعشرات الدراجات النارية، مع محاولات للتسلل والاختباء داخل القرى والفرقان الصغيرة، إضافة إلى رصد مجموعات في مواقع مختلفة.
ويرى الكاتب أن هذه التحركات، رغم الخسائر التي يتحدث عنها، تستحق الانتباه لأنها قد تشير إلى محاولة فتح أكثر من جبهة في وقت واحد وإجبار القوات المسلحة على توزيع قدراتها بين محاور متباعدة.
هل هي خطة لاستنزاف الجيش؟
القراءة الأساسية التي يقدمها إبراهيم الصديق علي تقوم على فرضية أن قوات الدعم السريع تسعى إلى إشغال القوات المسلحة بمعارك جانبية، بالتزامن مع إعادة ترتيب وضعها العسكري بعد خسائر كبيرة قالت مصادر مؤيدة للجيش إنها تعرضت لها في محور الصحراء.
ويرى الكاتب أن المعلومات المتداولة حول تراجع قدرات الدعم السريع في شمال كردفان قد تفسر، من وجهة نظره، سبب تكثيف الهجمات المحدودة في جنوب كردفان والنيل الأزرق، خصوصاً مع المخاوف من تقدم الجيش بصورة أعمق داخل كردفان.
وبحسب هذه القراءة، فإن المعركة لا تدور فقط حول السيطرة على المدن والمواقع العسكرية، وإنما حول الوقت أيضاً؛ أي كسب فترة زمنية تسمح بإعادة بناء القدرات وتعويض الأفراد والعتاد الذين فقدتهم القوات خلال العمليات السابقة.
المزارع في قلب المعركة
ويلفت الكاتب إلى عامل آخر يرى أنه لا يقل أهمية عن الجانب العسكري، وهو الطبيعة الزراعية للمناطق التي شهدت التحركات الأخيرة.
فالعباسية تقلي ومناطق في النيل الأزرق وجنوب كردفان تُعد من المناطق ذات النشاط الزراعي، ويعتقد الكاتب أن السيطرة عليها أو تعطيل الحركة فيها يمكن أن يؤثر على موسم الحصاد والإنتاج الزراعي.
ويرى أن منع المزارعين من الوصول إلى مناطق الإنتاج أو الاستيلاء على المحاصيل أو تدميرها يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط اقتصادي وإنساني، وهي اتهامات تحتاج بدورها إلى توثيق مستقل في كل واقعة.
المعركة الأكبر خلف الهجمات الصغيرة
ويخلص الكاتب إلى أن قوات الدعم السريع، وفق تقديره، تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب صعوبة الحصول على الإمداد العسكري والبشري، خصوصاً بعد استهداف أرتال الإمداد القادمة عبر الحدود.
ومن هذا المنطلق، يرى أن الهجمات الصغيرة والمتفرقة قد تكون محاولة للحفاظ على الحضور العسكري، وإرباك القوات المسلحة، وكسب الوقت إلى حين وصول إمدادات أو تعزيزات جديدة.
ويطرح المقال بالتالي قراءة مختلفة للهجمات الأخيرة: فبدلاً من اعتبار كل هجوم معركة مستقلة، يرى الكاتب أنها قد تكون حلقات ضمن استراتيجية أوسع تقوم على تشتيت القوات المسلحة وفتح جبهات متعددة في وقت واحد.
ومع ذلك، فإن تحديد ما إذا كانت هذه العمليات بالفعل جزءاً من خطة مركزية للتعويض يحتاج إلى معلومات ميدانية واستخبارية أكثر دقة، خصوصاً أن طبيعة الحرب الحالية تجعل من الصعب الفصل بين العمليات الهجومية، ومحاولات تثبيت المواقع، وعمليات الاستطلاع والتسلل.
وبين العباسية وكيلي، يبدو أن جنوب السودان الشرقي وكردفان يدخلان مرحلة جديدة من المواجهة، عنوانها الأبرز تعدد الجبهات، وضغط الإمداد، ومحاولة كل طرف فرض إيقاع المعركة على الطرف الآخر.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل هجمات كيلي والعباسية بداية موجة تصعيد جديدة، أم أنها بالفعل عمليات محدودة هدفها شراء الوقت وتعويض خسائر محاور أخرى؟
الأيام المقبلة، وحجم التحركات على الأرض، ستكون الفيصل في تحديد الإجابة.