عاجل نيوز
عاجل نيوز

أساتذة جامعة الخرطوم: وظيفة بلا حضور.. وراتب بلا عمل!

أساتذة جامعة الخرطوم وقرار استئناف الدراسة

 

جدل واسع حول مطالب بإلغاء إجراءات عدم الحضور.. ومفارقة بين استئناف الدراسة وتمسك بعض الأساتذة بالعمل من الخارج

 

متابعات – عاجل نيوز

مصطفى البطل

أثار خطاب استقالة من الخدمة، منسوب إلى أحد المحاضرين بكلية الغابات في جامعة الخرطوم، جدلاً واسعاً بعد أن ربط صاحبه بين استقالته وقرار إدارة الجامعة استئناف الدراسة وعودة الأساتذة إلى ممارسة أعمالهم في الكليات المختلفة.

وبحسب مضمون الخطاب المتداول، فإن الاعتراض لم يكن على الراتب أو شروط الخدمة أو بيئة العمل فحسب، وإنما شمل بصورة أساسية قرار الجامعة إعادة النشاط الأكاديمي والمطالبة بعودة الأساتذة إلى مقار عملهم.

وتفتح الواقعة باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات التعليمية وأعضاء هيئة التدريس، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب على مؤسسات الدولة والجامعات السودانية، وما ترتب عليها من تشتت أعضاء هيئة التدريس والطلاب داخل السودان وخارجه.

المفارقة، وفقاً لكاتب المادة، تتمثل في أن عدداً من أساتذة جامعة الخرطوم أصبحوا يقيمون خارج البلاد، في دول ومناطق مختلفة، بينما تحاول إدارة الجامعة إعادة تشغيل المؤسسة واستئناف العملية التعليمية وفق ما تراه مناسباً لظروف المرحلة.

وتشير المادة إلى أن بعض الأساتذة موجودون في دول بعيدة مثل الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية ودول الخليج، الأمر الذي يجعل عودة الجميع إلى مقار العمل في الخرطوم مسألة شديدة التعقيد، خصوصاً في ظل الأوضاع الأمنية والإنسانية التي تمر بها البلاد.

غير أن الخلاف الحقيقي لا يبدو، بحسب الطرح الوارد في المادة، متعلقاً فقط بإمكانية العودة أو صعوبتها، وإنما يمتد إلى مسألة الاستمرار في الوظيفة والمرتب والامتيازات بالتزامن مع عدم الحضور إلى مقر العمل.

وتستند المادة في انتقادها إلى ما وصفته بمخرجات اجتماع لأساتذة كلية الطب بجامعة الخرطوم، قالت إنه عقد في الثالث من سبتمبر الجاري بمشاركة نحو 90 أستاذاً، وجاء عبر اجتماع إسفيري نظراً لتوزع أعضاء هيئة التدريس في مناطق ودول مختلفة.

ومن بين البنود التي أثارت انتباه كاتب المادة، مطلب يتعلق بإلغاء ووقف أي إجراء مرتبط بعدم الحضور.

ويرى الكاتب أن هذا المطلب، إذا صح تفسيره بهذه الصورة، يطرح سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين الحق في الوظيفة والالتزام بأداء واجباتها، وهل يمكن أن يصبح الحضور إلى مقر العمل مسألة اختيارية بينما تظل المؤسسة مطالبة بالوفاء بكل الالتزامات المالية تجاه الموظف.

وهنا تنتقل القضية من مجرد خلاف إداري داخل جامعة الخرطوم إلى نقاش أوسع حول مفهوم الوظيفة العامة والمسؤولية المهنية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تعليمية يفترض أن تقوم على انتظام العملية الأكاديمية وحضور الأساتذة وتواصلهم المباشر مع الطلاب والباحثين.

فالجامعة ليست مجرد مبنى أو اسم إداري، وإنما منظومة تعليمية وبحثية تعتمد على وجود أساتذتها وطلابها وموظفيها، وعلى استمرار المحاضرات والبرامج الأكاديمية والبحث العلمي والإدارة الجامعية.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب، والتي دفعت ملايين المواطنين إلى مغادرة مناطقهم، كما أجبرت مؤسسات تعليمية على تعليق نشاطها أو نقل بعض أنشطتها إلى مناطق أكثر أمناً.

ومن هذه الزاوية، فإن قضية أساتذة جامعة الخرطوم تحتاج إلى نقاش متوازن يراعي طرفي المعادلة: حق الجامعة في تنظيم العمل وطلب أداء الواجبات الوظيفية، وفي الوقت نفسه الظروف الاستثنائية التي قد تجعل عودة بعض أعضاء هيئة التدريس إلى مقار عملهم أمراً بالغ الصعوبة أو حتى متعذراً في بعض الحالات.

لكن كاتب المادة يذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الإصرار على استمرار المرتبات والامتيازات مع رفض العودة إلى العمل يمثل معادلة غير مألوفة في مؤسسات الخدمة العامة.

ويطرح عدة أسئلة مباشرة: هل يمكن فصل الراتب بصورة كاملة عن أداء العمل؟ وهل يصبح الغياب حقاً مكتسباً لا يجوز للمؤسسة مساءلة الموظف عنه؟ وهل تستطيع أي جامعة أن تستمر في أداء رسالتها إذا تحول حضور الأساتذة إلى خيار شخصي؟

وتزداد حساسية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بجامعة الخرطوم، باعتبارها واحدة من أقدم وأبرز المؤسسات الجامعية في السودان، ولها دور تاريخي في التعليم والبحث العلمي وتخريج أجيال من السودانيين.

فالجامعة، مثل غيرها من المؤسسات، تواجه تحديات ضخمة بسبب الحرب، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على استمرار التعليم وعدم ترك الطلاب رهائن للظروف الاستثنائية إلى أجل غير معلوم.

وفي هذا السياق، فإن قرار استئناف الدراسة لا يمثل مجرد قرار إداري بفتح أبواب الكليات، بل يرتبط بمستقبل آلاف الطلاب ومسارهم الأكاديمي، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات التعليمية التي تأثرت بالحرب.

ومن ناحية أخرى، فإن مطالبة الأساتذة بالعودة إلى العمل لا يمكن التعامل معها بمعزل عن واقعهم وظروفهم الشخصية والأمنية، خاصة بالنسبة لمن أصبح مقيماً خارج السودان أو يعمل في مؤسسات تعليمية أخرى نتيجة توقف نشاط الجامعة خلال الفترة الماضية.

وهنا تكمن أهمية وضع ترتيبات واضحة ومعلنة تنظم أوضاع أعضاء هيئة التدريس، وتحدد آليات العمل الحضوري والعمل عن بُعد، وشروط الإجازات والاستثناءات، والحقوق المالية والواجبات الوظيفية.

أما ترك المسألة في إطار بيانات متبادلة وخطابات احتجاج وتهديدات بالاستقالة، فقد يؤدي إلى تعميق الأزمة بدلاً من حلها.

ويرى كاتب المادة أن ما وصفه بـ«بدع أساتذة جامعة الخرطوم» لا يزال يحتاج إلى مزيد من التوقف والنقاش، مشيراً إلى أنه سيعود إلى قائمة المطالب والمواقف التي صدرت عن بعض الأساتذة لمناقشة ما يراه تناقضات في موقفهم من استئناف الدراسة.

وفي نهاية المطاف، فإن القضية الأساسية ليست في رغبة أستاذ في الاستقالة أو رفضه قراراً إدارياً، وإنما في السؤال الأوسع حول كيفية إعادة تشغيل جامعة الخرطوم في زمن الحرب، وكيفية تحقيق التوازن بين حقوق أعضاء هيئة التدريس وواجباتهم، وبين حق الطلاب في التعليم وحق المؤسسة في إدارة مواردها وفق اللوائح والقوانين.

ويبقى الحسم في هذه القضية مرهوناً بما تنص عليه لوائح الجامعة وقوانين الخدمة المنظمة لعلاقة أعضاء هيئة التدريس بالمؤسسة، وبما ستقرره إدارة الجامعة والجهات المختصة بشأن أوضاع الأساتذة الذين تعذر عليهم العودة إلى مقار عملهم.

أما تحويل الحضور إلى خيار، والمرتب إلى التزام منفصل تماماً عن أداء الواجب، فهي المسألة التي تستحق نقاشاً قانونياً وإدارياً واضحاً، بعيداً عن المزايدات، وبما يحفظ في النهاية حق الجامعة وطلابها وأساتذتها على حد سواء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.