عاجل نيوز
رغم غياب الإنترنت وأجهزة التتبع الحديثة، كانت الشرطة السودانية تعمل بعقل يقظ وضمير حيّ، يعتمد على الملاحظة، والحس الأمني، والتفاني في خدمة الناس. هذه قصة واقعية يرويها عريف بوليس سابق، لكنها ما زالت حيّة في ذاكرته وذاكرة مدينة أم درمان…
بلاغ منتصف الليل
يقول العريف:
كنت لسه عسكري مستجد في قسم الموردة سنة 1951، لابس “القلشين” و”الكسكتة أم ريش”، ونوزّع “بالتمنة” في أطراف المنطقة. كنت أراقب مربوعي، ومعي دفتر الخدمة أدوّن فيه مرور الشاويش كل ساعتين، حسب النظام.
في إحدى الليالي، سمعت نباح كلاب يشتد بالقرب من “كوشة”، فتوجهتُ فورًا صوب الصوت. قربت من المكان وضوّيت بطاريتي، لأجد طفل حديث الولادة ملفوف ببشكير، وموضوع بجانبه قطن، وبزازة مليانة لبن.
تحرك الشرطة بهدوء وكفاءة
أشعلت إشارة ضوئية لاستدعاء الشاويش، لأن وقت مروره كان قد اقترب. حضر الشاويش، رأى الطفل والكرتونة، ولفت نظره وجود آثار أقدام. قال لي:
“خليك واقف هنا.. أنا طوالي راجع للتمنة.”
بعد دقائق، عاد ومعه الضابط المناوب في كومر القسم. أخذونا والطفل إلى القسم، تم تدوين البلاغ، ثم سلّمنا الطفل لإحدى “الدايات” في القسم الطبي. لكن الضابط لم يتوقف هنا.
الكرتونة التي قادت إلى الحقيقة
لاحظ الضابط أن الكرتونة التي وُضع فيها الطفل مكتوب عليها: “راديو فيليبس”. اتصل في الحال على اثنين من الأقباط الذين كانت أرقامهم مسجلة في قسم الشرطة، وطلب منهم المجيء فورًا. وبالفعل جاءوا ليلًا، وفتحوا دكاكينهم، وراجعوا رقم الكرتونة.
المفاجأة؟
الكرتونة تعود لراديو تم شراؤه قبل أيام من شاويش جيش في الأبيض!
تعاون بين الولايات عبر اللاسلكي
تم إرسال برقية مشفرة عبر “الشفرة شود” إلى مباحث الأبيض. استجاب الضابط النبطشي هناك، وتواصل مع نبطشي الجيش. سُئل الشاويش عن الراديو، فأقر بشرائه، وسألوا عن الكرتونة.
قال إن زوجته أعطتها لجارتهم “فلانة” لاستعمالها كزّادة”، وسافرت الأخيرة إلى الخرطوم قبل أيام.
عودة الحياة للطفل البريء
عند وصول الرد، ذهب الضابط برفقة دورية إلى منزل السيدة، وكان معها الطفل حديث الولادة.
عندما واجهها، انهارت وأقرّت بأنها والدته. أُعيد إليها الطفل بعد ضمان صحته وسلامته، ولم يُمسّ البزازة منذ تلك اللحظة، بل عاد ليرضع من أمه مع شروق الشمس.
هكذا كانت الشرطة السودانية في زمن لم تكن فيه كاميرات مراقبة ولا أنظمة تتبع.
كان الحس، والمسؤولية، والضمير الحي، هم الركائز التي تبنى عليها العدالة.
في قصة بسيطة، راديو فيليبس وكرتونته قادا الشرطة لكشف الحقيقة، وإنقاذ روح بريئة، وإعادة طفل إلى صدر أمه.
رسالة هذا المقال:
حين يعمل رجال الشرطة بعقل وقلب، تكون الدولة بخير.
لا نحتاج دومًا إلى تقنيات متطورة بقدر ما نحتاج إلى من يحمل الواجب في ضميره.