هيثم البوص – عاجل نيوز
النهار يختفي ببطء والظلام يلتهم شوارع الفاشر. في بيت صغير متصدع جلست “أم حليمة” تحتضن أطفالها الثلاثة تحاول إخفاء ارتجافها خلف ابتسامة زائفة.
الجوع ينهش بطونهم منذ يومين، ولم يبق في البيت سوى القليل من الماء أصوات الرصاص تتقاطع مع صرخات بعيدة، وأخبار الموت تصل قبل أن تصل الريح.
في زاوية الغرفة كان “حليمة” الصغيرة تهمس:
“يمّه متين نمشي المدرسة؟”
ابتلعت أمها السؤال كدمعة حارة، وأجابت بصوت مخنوق:
بكرة يا بتي. بس بكرة.
لكنها كانت تعلم أن الغد صار رفاهية في مدينة تحاصرها البنادق.
قبل الفجر بقليل دوى خبر مثل الرصاصة:
أعدموا ولد الجيران بس حاول يطلع يجيب بقايا العلف من السوق.
أم حليمة شعرت أن قلبها سقط من بين ضلوعها. الرجل كان شجاعاً قرر يواجه الحواجز عشان يطعم أسرته لكن الحواجز أكلته قبل ما يأكل اللقمة.
نظرت لأطفالها النائمين كطيور مذعورة وفكرت!
إذا قعدنا بنموت جوع وإذا خرجنا بنموت برصاص.
أصوات المليشيا تقرع الشوارع أي زول يطلع، رصاص في راسو!
ليل طويل وقرار أصعب من الموت نفسه بدأ يتشكل في عقلها.
مع أول خيط من الفجر، حملت أم حليمة أطفالها. لم يكن معها زاد ولا ماء، فقط قلب أم يقاتل المستحيل.
خطوة وراء خطوة، تقترب من الطريق المؤدي للخروج من الفاشر. كل حاجز تراه من بعيد يشبه مقصلة.
تذكرت كلمات المليشي، تذكرت وجه جارها الملطخ بالدم، لكنها مضت لأن البقاء صار موتاً بطيئاً.
وقبل أن تصل للحاجز الأول، سمعت صوتاً يمزق السماء:
“وين ماشّة؟”
توقفت والدم يتجمد في عروقها لم يمهلها الصوت لتجيب! الرصاصة كانت أسرع من الكلمات.
في دارفور حتى الحلم بالحياة صار جريمة.
الحياة اليومية في الفاشر أصبحت معركة من أجل البقاء، حيث المدنيون محاصرون بين الجوع والموت برصاص المليشيات في ظل صمت عالمي وتعتيم إعلامي و تؤاطو المسؤليين