بين مهلهل ربيعة وسودان اليوم… الراعي الذي يقتل من حيث أراد إنقاذه
مهلهل ربيعة وسودان اليوم… دروس التاريخ المنسية
إسحق أحمد فضل الله _ عاجل نيوز
التاريخ يعيد نفسه حين يغيب العقل وتُدار الأزمات بلا دراسات
يستعيد المقال قصة الشاعر المقاتل مهلهل ربيعة الذي انتهت حياته أسيراً بعد أن تحولت محاولات إنقاذه إلى سبب مباشر لقتله، في إسقاط رمزي على واقع السودان اليوم.
الفكرة الأساسية أن كثيرًا من المبادرات التي تُرفع باسم إنقاذ البلد أو الدين، تتحول – بغير وعي – إلى أفعال تعمّق الأزمة بدل حلّها، تمامًا كما فعل راعي “ولهان” حين قتل مهلهل من حيث أراد نجاته.
ويؤكد الكاتب أن غياب مراكز الدراسات والاستراتيجيات يجعل الدولة تتحرك في فراغ، فتُدار الأزمات بلا رؤية متكاملة، بينما القوى الكبرى تبني قراراتها على محاكاة دقيقة للسيناريوهات كما حدث مع تأميم قناة السويس في عهد عبد الناصر.
وفي المقابل، السودان اليوم يواجه انهيار العملة وضغوطًا اقتصادية خانقة، وسط تدخلات خارجية مثل طباعة الإمارات مليارات الجنيهات، ما يجعل غياب التخطيط العلمي خطراً وجودياً.
نص مقال اسحق أحمد فضل الله هي صلة مهلهل ربيعة بالسودان اليوم…
و… مخلصون في إنقاذ البلد… لكن الإخلاص هو الذي يصنع البصيرة أم حمد؟
والتاريخ العربي القديم تلعب القدريات فيه دوراً مؤلماً.
والشاعر المقاتل مهلهل ربيعة، الذي يقاتل سنين طوالاً ليثأر لأخيه، كان موته واحداً من حكايات المقادير…
ومهلهل بعد القتال الطويل، حيث لم ينزع درعه لسنوات، يسقط أسيراً في يد عدوه… عدوه الذي قتل ابنه الطفل.
والرجل الذي كان قد أعطى عهداً ألا يقتل المهلهل يجعله سجيناً.
والمهلهل الموجوع يطلق عقيرته يوماً بالهجاء الذي ظل يصبه على قبيلة عدوه هذا… وزعيم القبيلة يصرخ:
“إنه لريان!”
ثم يقسم ألا يذوق المهلهل الماء إلا بعد أن يرد (ولهان) الماء.
و”ولهان” فحل لا يرد الماء إلا مرة في الشهر.
والناس ينطلقون في الصحراء الواسعة يبحثون عن “ولهان”.
لكن…
راعي إبل زعيم القبيلة كان يومها على ظهر “ولهان”، ينطلق به إلى قبيلة مهلهل نجدةً لمهلهل بعد أن سمع بهزيمته، دون أن يعلم أن مهلهل أسير الآن عند زعيمه.
والراعي الذي يندفع لإنقاذ المهلهل، ما كان يعلم أنه يمعن في قتل المهلهل كلما أمعن في الانطلاق لنجدته.
التاريخ يقول: إن أشياء كثيرة في حياتنا نكون نحن فيها نسخة من هذا الراعي…
وكثير من الدعاة الآن، ممن ينطلقون لإنقاذ البلد والدين، يفعلون بالبلد والدين ما فعله الراعي بالمهلهل…
…….
والدول عندها مكاتب لدراسة الأزمات، وهناك يجمعون الأحداث ليعلموا… ما الذي يقع حين نجمع هذا بهذا.
وأيام الستين كانت غرفة دراسات أمريكية تدرس:
“ما الذي سوف يفعله عبد الناصر إن نحن أوقفنا تمويل السد العالي؟”
وجعلوا واحداً منهم يتقمص تماماً شخصية عبد الناصر ليروا عملياً ما يمكن أن يقع إن أوقفت أمريكا تمويل السد.
بعد أسبوع كان الرجل الذي يتقمص شخصية ناصر يقول لهم:
“إن أوقفتم تمويل السد، قمت أنا بمصادرة قناة السويس”.
وبالفعل، قاموا بقطع التمويل.
وبعد يومين، ناصر يؤمم قناة السويس.
ونحن الآن دون مركز دراسات… وكل أحد يفتي بكل المذاهب في شأن الحرب والاقتصاد والدولة… ووو.
والدولة، إن هي قبلت أو رفضت، تكون جزءاً من الخراب ذاته.
فالدولة تفتى وتقطع وتبرم دون أن تدري… ما الذي تأتي به زاوية الطريق…
ثم…؟؟
الدولة تجتمع هذا الأسبوع لكبح جماح انهيار العملة.
وفي يومين، تتضاعف سرعة الانهيار.
والإمارات، التي طبعت أربعين تريليون جنيه سوداني، تسكب الصحراء هذه في فم السودان.