صراع الرؤى بين “عدو وجودي” و“عدو سياسي” في المشهد السوداني
الصراع في السودان: عدو وجودي أم خصومة سياسية قديمة؟
متابعات – عاجل نيوز
تشهد الساحة السودانية خلال الأشهر الأخيرة حالة غير مسبوقة من الانقسام في توصيف المخاطر وتحديد طبيعة العدو الذي يهدد البلاد، بين تيارين أساسيين:
تيار يرى أن مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) تمثل اليوم تهديدًا وجوديًا لمفهوم الدولة السودانية، وتيار آخر يحصر معركته في مواجهة التيار الإسلامي (الكيزان) باعتباره الخصم السياسي التاريخي.
هذا التباين في الرؤية ينعكس على الخطاب العام، والتحالفات، وقراءة مجريات الحرب، وصولًا إلى كيفية تقييم مآلات الصراع وسبل الخروج منه.
أولًا: رؤية “العدو الوجودي” — الدولة تحت التهديد المباشر
يرى هذا التيار، الذي يضم غالبية الفاعلين في المناطق المحررة، وقوى مهنية وسياسية واسعة، أن السودان يواجه اليوم خطرًا غير مسبوق يتمثل في محاولة نزع الدولة من جذورها عبر التمدد العسكري للمليشيا.
وتقوم هذه الرؤية على جملة من المعطيات:
- سقوط المدن والقرى تحت سيطرة المليشيا، وما صاحبه من نهب ممنهج وجرائم موثّقة.
- تدمير البنية المدنية من مؤسسات حكومية ومرافق خدمية، بما يعطل الحياة اليومية كليًا.
- محاولات تغيير التركيبة السكانية في مناطق معينة، ما يهدد وحدة البلاد.
- تحالفات خارجية مشبوهة تمنح المليشيا قدرات عسكرية وأمنية تتجاوز طبيعتها المحلية.
وفق رؤية هذا التيار، فإن ما يجري لا يمكن التعامل معه كصراع سياسي، بل هو صراع بقاء، يهدف فيه العدو إلى محو الدولة نفسها، لا مجرد الفوز بسلطة أو نفوذ.
ثانيًا: رؤية “العدو السياسي” — صراع ما قبل الحرب يطل من جديد
في المقابل، هناك تيار — سياسي الطابع — يرى أن “الكيزان” ما يزالون الخطر الأكبر، ويعتقد أن عودة الإسلاميين المحتملة إلى المشهد السياسي أخطر من تمدد المليشيا المسلحة.
هذا التيار يُسقِط صراعات الماضي على واقع مختلف تمامًا، ويتمسك بأولويات ما قبل الحرب رغم التغير الجذري في طبيعة التهديد.
وتعتمد هذه الرؤية على:
- التاريخ الطويل لهيمنة الإسلاميين على الدولة ومؤسساتها.
- مخاوف من عودة الحكم الشمولي بشكل أو بآخر.
لكن هذا التيار يتعرض لانتقادات واسعة، لكونه يتجاهل الخطر المباشر الذي تفرضه الحرب الجارية، والتي تهدد بقاء الدولة بصورة أكبر وأسرع من أي خصومة سياسية سابقة.
ثالثًا: إشكالية الوعي بالخطر — معركة الدولة أم معركة السلطة؟
يتمثل جوهر الصراع بين الرؤيتين في سؤال أساسي:
هل نحن في معركة وجود أم في معركة سلطة؟
التقرير يشير إلى أن الجمهور السوداني، وقطاعات واسعة من القوى المهنية والمدنية، أصبحت أكثر ميلًا لرؤية أن:
- التهديد الوجودي هو الأولوية رقم واحد.
- الخطر السياسي، مهما كان شديدًا، يأتي لاحقًا بعد استعادة الدولة وبناء مؤسساتها.
فمع سيطرة المليشيا على مساحات واسعة، وتوثيق جرائمها، يظهر أن المعركة لم تعد صراعًا بين برامج سياسية، بل صراعًا بين دولة تحاول أن تبقى ومليشيا تحاول أن تحل مكانها.
رابعًا: بين الخطاب والميدان — لماذا يتسع الفارق؟
التباين بين التيارين يتسع كلما طالت الحرب، لأسباب أبرزها:
- الواقع الميداني الذي يكشف حجم الدمار والخطر المباشر على المدنيين.
- وسائل التواصل الاجتماعي التي تُضخّم الاستقطاب السياسي.
- خيبة الأمل من الأداء السياسي قبل الحرب، مما جعل جزءًا من الجمهور أقل اهتمامًا بالخصومات الحزبية.
- شعور غامر بأن الدولة نفسها مهددة، ما يعيد ترتيب الأولويات تلقائيًا في وعي الناس.
خامسًا: خلاصة التقرير
تشير القراءة الشاملة إلى أن السودان يعيش اليوم تباينًا جذريًا بين من يقاتل من أجل بقاء الدولة، ومن يقاتل من أجل حسم صراع سياسي قديم.
وفي حين يمكن تأجيل الصراع السياسي إلى ما بعد استقرار البلاد، فإن الخطر الوجودي لا يحتمل التأجيل.
وهكذا تتشكل معادلة جديدة في الوعي السوداني:
لا معنى للحديث عن بدائل سياسية في ظل غياب الدولة… ولا قيمة لأي مشروع حزبي فوق ركام وطن.