من الطائرات المُحيَّدة إلى الفضاء: كيف تحوّلت تركيا إلى الحليف الاستراتيجي الأهم للسودان؟
من تحييد المطارات إلى قواعد الفضاء: كيف أصبحت أنقرة شريك الخرطوم الأهم؟
تركيا والسودان: تحالف عسكري-فضائي لكبح النفوذ الإماراتي
متابعات – عاجل نيوز
قبيل اندلاع الحرب، أدركت مليشيا الدعم السريع أن مفتاح التفوق لا يمر عبر السيطرة على الأرض وحدها، بل عبر شلّ السماء. لذلك ركّزت منذ وقت مبكر على المطارات، في محاولة لتحييد سلاح الجو السوداني وحرمان الجيش من أهم أدواته الحاسمة.
ومع انطلاق القتال، نجحت المليشيا فعليًا في تعطيل عدد من المطارات الحيوية، إلا أن القوات الجوية السودانية، رغم الظروف المعقدة، تمكنت من الحفاظ على جزء معتبر من أسطولها، وأبقت على قدرتها على الفعل وإن بوتيرة أقل.
غير أن هذه المرحلة كشفت تحديات حقيقية واجهت سلاح الجو، في مقدمتها قدم بعض المقاتلات، وارتفاع تكلفة الطلعات الجوية التقليدية بشريًا ولوجستيًا، خاصة في حرب ممتدة ومتعددة الجبهات.
هنا بدأت الخرطوم، منذ عام 2024، البحث الجدي عن بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة، فكان خيار الطائرات المسيّرة هو العنوان الأبرز.
المحاولة الأولى اتجهت شرقًا، نحو الصين، باعتبارها موردًا تقليديًا للتقنيات العسكرية للدول النامية.
غير أن هذه المساعي اصطدمت سريعًا بجدار الضغوط الإماراتية، ما أدى إلى إفشال الصفقة قبل أن ترى النور.
عندها وجد الجيش السوداني نفسه مضطرًا للبحث عن خيارات أكثر تعقيدًا سياسيًا، لكن أكثر فاعلية عسكريًا.
في هذا السياق، برزت تركيا كخيار مثالي من حيث القدرات، إذ تمتلك مسيّرات أثبتت فعاليتها الحاسمة في مسارح معقدة مثل سوريا وليبيا وناغورنو كاراباخ.
إلا أن الطريق إلى أنقرة لم يكن مفروشًا بالورود؛ فالعلاقات بين البلدين شهدت فتورًا ملحوظًا بعد ثورة 2018، كما أن التحسن الكبير في العلاقات التركية-الإماراتية جعل أنقرة متحفظة على الانخراط في صراع قد يعيد التوتر مع أبوظبي.
التحول الحقيقي بدأ في أغسطس 2024، مع دخول قطر على خط الوساطة. فالدوحة، التي لم تُخفِ قلقها من تمدد النفوذ الإماراتي في السودان، رأت أن منع سقوط الخرطوم في دائرة الهيمنة الإماراتية يمر عبر إعادة تنشيط المحور السوداني-التركي.
وبجهد دبلوماسي سوداني مكثف، وبموافقة شخصيتين محوريتين في الدولة التركية هما إبراهيم قالن وهاكان فيدان، مُنح الضوء الأخضر لفتح صفحة جديدة.
تسارعت الزيارات والاتصالات، وارتقى التقارب تدريجيًا إلى مستوى “شبه تحالف”. ومنذ سقوط الفاشر، لم يغب اسم السودان عن خطابات الرئيس رجب طيب أردوغان، في تزامن لافت مع تصاعد الصراع الخفي بين أنقرة وأبوظبي، لا سيما في الصومال.
وقد زاد التوتر بعد كشف شبكة تجسس إماراتية، ما عزز قناعة تركيا بأنها تواجه مشروع تطويق إقليمي، فاندفعت لتعزيز تنسيقها مع مصر والسعودية بالتوازي.
في هذا السياق جاءت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أنقرة، بعد جولة شملت الرياض والقاهرة، كمؤشر واضح على تنسيق متقدم بين حلفاء الخرطوم.
المشهد الإقليمي بات يوحي بإجماع متشكل حول ضرورة كبح النفوذ الإماراتي المتزايد داخل السودان، ليس فقط لأسباب أخلاقية أو سياسية، بل لحسابات أمنية واستراتيجية أوسع.
تصريحات البرهان عقب الزيارة حملت رسائل متعددة الاتجاهات.
فقد وصف الزيارة بالمثمرة، وصعّد لهجته تجاه الإمارات، مؤكدًا رفضه لأي منصة حوار تكون أبوظبي طرفًا فيها، في ما يبدو تمهيدًا لرؤية سلام تقودها الرياض وتحظى بقبول تركي.
وفي الملف الأمني، شدد على أن لا خيار سوى نزع سلاح المليشيا، مستشهدًا بتجربة تركيا مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، في مقارنة ذكية شكّلت جسرًا مفاهيميًا سهّل على الرأي العام التركي فهم طبيعة التحدي السوداني.
اللافت أيضًا كان مستوى الحفاوة في استقبال البرهان، خصوصًا التحية المتبادلة مع رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ما يشير إلى أن الخرطوم قد تكون بصدد تفعيل المعاهدة الأمنية الموقعة عام 2018، لتوسيع التعاون العسكري والاستخباراتي.
كما أن لقاءات مسؤولي التصنيع الحربي في البلدين تؤكد التوجه نحو شراكة دفاعية عميقة، تمنح تركيا موطئ قدم استراتيجي في سوق السلاح الإفريقي.
طموحات أنقرة لا تقف عند حدود التسليح. فالسودان، بموقعه الجغرافي الفريد، يمثل فرصة استراتيجية لتركيا في البحر الأحمر، عبر مشروع قاعدة عسكرية محتملة في سواكن، المدينة ذات الرمزية العثمانية.
هذه القاعدة ستعزز حماية الملاحة البحرية، وتدعم مناطق النفوذ التركي في الصومال وليبيا، في توازن دقيق مع القوى الإقليمية.
الأكثر حساسية أن الاهتمام التركي بسواكن يمتد إلى ما هو أبعد من البعد العسكري، ليصل إلى الفضاء. فرؤية سيلجوق بيرقدار، المدير الفني لشركة “بايكار”، تقوم على إنشاء قواعد لإطلاق الصواريخ الفضائية.
وموقع السودان، القريب من خط الاستواء، يمنح “سرعة مجانية” تقلل كلفة الإطلاق بشكل كبير، مع صفاء سماء وميزة لوجستية نادرة بفضل القرب من الموانئ.
الدخول في مجال الإطلاق الفضائي يرتبط تقنيًا بتطوير الصواريخ الباليستية، وهو جوهر الردع الاستراتيجي في عالم اليوم.
ومن هنا، لا تبدو زيارة البرهان إلى تركيا حدثًا عابرًا، بل علامة فارقة تؤكد أن أنقرة باتت الشريك الاستراتيجي الأكثر موثوقية للخرطوم، وأن السودان انتقل من البحث عن دعم مرحلي، إلى الانخراط في بناء محور إقليمي جديد، تكون فيه الخرطوم حجر زاوية في مواجهة مشروع الهيمنة الصهيو-إماراتية في المنطقة.