تقرير استراتيجي يكشف منطق الصدمة والانسحاب وإعادة تموضع واشنطن بعيدًا عن نزيف المنطقة.
متابعات – عاجل نيوز
مكاوي الملك
لم تعد التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط مجرد استعراض قوة أو رسائل ردع تقليدية، بل باتت، وفق قراءة استراتيجية متقدمة، جزءًا من عقيدة ترامب في الشرق الأوسط القائمة على صناعة صدمة كبرى محسوبة تمهّد لإعادة تموضع شامل للولايات المتحدة خارج المنطقة.
اللافت أن هذا التصعيد لا يستهدف، في جوهره، الانخراط في حرب طويلة أو إدارة نزاع مفتوح، بل العكس تمامًا: كسر قواعد الاشتباك بضربة أو صدام محدود، ثم إعلان “إنجاز المهمة” والبدء في الانسحاب التدريجي، في نموذج يدمج الردع السريع مع تقليص الكلفة الاستراتيجية.
منطق الصدمة بدل الاستنزاف
تقوم العقيدة الجديدة على قناعة مركزية مفادها أن الشرق الأوسط أصبح نزيفًا بلا عائد استراتيجي واضح:
قواعد عسكرية مكلفة، تحالفات مرهقة، وحروب ممتدة بلا نهاية سياسية محسومة. لذلك، لا يُنظر إلى التصعيد الحالي باعتباره مقدمة لحرب شاملة، بل كـأداة لإنتاج صدمة سياسية وعسكرية تعيد ضبط المشهد الإقليمي بالقوة قبل الانسحاب.
بعد هذه الصدمة، تتجه واشنطن – وفق هذا التصور – إلى:
- تقليص وجودها العسكري والقواعد المنتشرة تدريجيًا.
- خفض الإنفاق الدفاعي المخصص للمنطقة.
- ترك القوى الإقليمية تتعامل مع توازنات ما بعد الصدمة دون مظلة أمريكية مباشرة.
إسرائيل: دعم بلا قتال بالنيابة
ضمن هذا التحول، لا تتخلى واشنطن عن دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا، لكنها في الوقت ذاته لا تنوي خوض الحروب بالنيابة عنها. السلاح والدعم متوفران، لكن إدارة المعركة ستبقى مسؤولية إسرائيل نفسها، في انسجام مع فلسفة تقليل الانخراط المباشر.
الهدف الأبعد: إعادة تموضع أمريكا
الهدف الحقيقي لا يقف عند حدود إيران أو الشرق الأوسط، بل يتصل بإعادة ترتيب أولويات القوة الأمريكية عالميًا:
- التركيز على الداخل الأمريكي وإعادة ضبط الاقتصاد والأمن الداخلي.
- تحويل الثقل الاستراتيجي نحو مواجهة الصين في بيئة أقل استنزافًا.
- تقليص الالتزامات العسكرية البعيدة التي تستهلك الموارد دون مردود طويل الأمد.
بهذا المعنى، تصبح الصدمة العسكرية أداة انتقال، لا غاية نهائية.
الخطر الكامن في “الانسحاب بعد الفوضى”
الخطورة الأساسية في هذه المقاربة تكمن في أن الانسحاب يتم بعد تفجير توازنات المنطقة بما يكفي لخلق واقع جديد غير مستقر. فراغ القوة، وتضارب مصالح القوى الإقليمية، وتراكم النزاعات المؤجلة، قد يحوّل المنطقة إلى مسرح صراعات مفتوحة دون ضابط دولي مباشر.
الخلاصة أن ترامب لا يسعى للسيطرة على الشرق الأوسط بقدر ما يسعى للخروج منه بشروط أمريكية قاسية: صدمة محسوبة، إعادة رسم قواعد الاشتباك، ثم انسحاب يترك المنطقة أمام اختبار توازناتها الذاتية.
في هذا السياق، لا تبدو المرحلة المقبلة عشوائية، بل جزءًا من هندسة استراتيجية لإعادة توزيع القوة عالميًا، ستكون تداعياتها عميقة على أمن الشرق الأوسط واستقراره لسنوات قادمة.