الارض ماتت قبل المصنع ..من قلب الإنتاج إلى أطلال الحرب: كيف سقط مصنع سكر الجنيد وسقطت معه حياة آلاف الأسر؟
تحقيق استقصائي عن مصنع سكر الجنيد وتاريخه وانهياره في ولاية الجزيرة
تحقيق استقصائي يكشف قصة أقدم مصنع سكر في السودان من التأسيس إلى الانهيار
تحقيق – عاجل نيوز
ابومدين عبدالحكيم
تحقيق استقصائي | من الريادة إلى الركام… قصة مصنع سكر الجنيد
في قلب ولاية الجزيرة، وعلى مقربة من مدينة الجنيد، نشأ واحد من أهم المشاريع الاقتصادية في تاريخ السودان، وهو شركة سكر الجنيد، الذي لم يكن مجرد مصنع لإنتاج السكر، بل كان قلبًا نابضًا للحياة الزراعية والصناعية لعشرات القرى وآلاف الأسر.
على مدى أكثر من ستة عقود، ظل المصنع رمزًا للتنمية والاستقرار، قبل أن تحوّله الحرب إلى أطلال، وتترك خلفه منطقة كاملة تصارع الفقر والبطالة والانتظار.
التأسيس… حلم وطني بدأ عام 1959
تعود فكرة إنشاء مصنع الجنيد إلى نهاية خمسينيات القرن الماضي، في إطار توجه الدولة آنذاك لبناء اقتصاد يعتمد على موارده الزراعية. ففي عام 1959م، وُضع حجر الأساس للمشروع على مساحة تُقدّر بنحو أربعين ألف فدان، خُصصت لزراعة قصب السكر، ضمن رؤية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وربط الزراعة بالصناعة.
وبعد ثلاث سنوات من العمل والتجهيز، دخل المصنع مرحلة الإنتاج الفعلي عام 1962م، ليصبح أول وأقدم مصنع للسكر في البلاد، بطاقة إنتاجية بلغت نحو ستين ألف طن سنويًا من السكر المطحون، وهو رقم كبير بمعايير ذلك الزمن.
منذ بداياته، صُمم المشروع ليكون منظومة متكاملة، تضم الحقول، وقنوات الري، ومحطات الضخ، وخطوط الإنتاج، والمساكن العمالية، والخدمات، ما جعله مدينة صناعية زراعية مصغّرة في قلب الريف.
الجنيد… أكثر من مصنع
لم يكن نجاح الجنيد مرتبطًا بالإنتاج فقط، بل بدوره الاجتماعي الواسع. فقد وفر فرص عمل مباشرة داخل المصنع، وغير مباشرة في الزراعة والنقل والأسواق والخدمات.
تحوّل المشروع إلى شبكة أمان اجتماعي، ضمنت الاستقرار لآلاف الأسر، وأسهمت في الحد من الهجرة إلى المدن، وخرّج أجيالًا من الفنيين والمهندسين الذين انتقلوا لاحقًا إلى مشاريع كبرى داخل السودان وخارجه.
ولهذا اكتسب لقب “شيخ مصانع السكر”، باعتباره المدرسة الأولى للصناعة السكرية في البلاد.
«كنا نزرع ونعيش… اليوم لا شيء»
في أطراف المشروع، جلس “ع.م”، مزارع خمسيني، يتأمل أرضًا جافة كانت يومًا مكسوّة بالقصب، ويقول:
“نحن تربينا مع المصنع… كنا نزرع ونورد ونعيش بكرامة. اليوم لا ماء، لا محصول، لا دخل… نعيش على المساعدات.”
ويضيف بأسى:
“حتى لو فتحوا المصنع الآن، بدون ماء ما في فايدة. الأرض ماتت قبل المصنع.”
ديسمبر 2023… بداية الانهيار
مع دخول المليشيا إلى ولاية الجزيرة في 18 ديسمبر 2023، دخل مصنع الجنيد مرحلة غير مسبوقة من الاستهداف.
بحسب شهادات متطابقة، تعرّض المصنع لعمليات نهب منظمة طالت:
الماكينات الرئيسية،
الآليات الزراعية،
الشاحنات والناقلات،
مولدات الكهرباء،
مخازن الوقود.
يقول أحد الفنيين السابقين:
“السرقة كانت تتم على مراحل… كل مرة يختفي جزء. في النهاية لم يبقَ شيء يُشغَّل.”
وأدت هذه العمليات إلى شلل كامل في خطوط الإنتاج وتوقف المشروع بالكامل.
عامل سابق: «خرجنا بلا حقوق»
داخل القرية العمالية، يروي “م.ح”، وهو عامل سابق بقسم التشغيل:
“اشتغلت هنا أكثر من 18 سنة. فجأة الحرب دخلت، المصنع وقف، وخرجنا بلا رواتب ولا تعويض.”
ويتابع:
“بعض زملائي نزحوا، بعضهم اشتغل عمال يومية، وبعضهم جلس ينتظر الفرج.”
هل كان هدفًا عسكريًا؟
رغم حجم الدمار، ينفي العاملون والمزارعون أن يكون المصنع موقعًا عسكريًا.
يؤكد أحد الشهود:
“ما كان في معارك هنا… كان في نهب فقط.”
ويخلص التحقيق إلى أن استهداف المصنع جاء بسبب موقعه ومساحته ومخزوناته، ما جعله هدفًا اقتصاديًا مغريًا في ظل الفوضى.
تحرير بلا تعافٍ
في فبراير 2025، خرج المصنع من دائرة سيطرة المليشيا، وعادت الآمال إلى المنطقة، لكن الواقع خيّب التوقعات.
يقول أحد المزارعين:
“رجعنا ولقينا كل شيء مكسّر… لا جهة جات، لا إعادة تأهيل.”
ويضيف:
“التحرير كان عسكري فقط… اقتصاديًا نحن لسه محاصرين.”
ومنذ ذلك الوقت، لم تُسجل خطوات عملية جادة لإعادة التشغيل.
الماء… مفتاح الحياة الغائب
أجمع جميع من التقاهم التحقيق على أن غياب المياه هو أصل الأزمة.
يقول أحد كبار المزارعين:
“لو جابوا لنا الماء، نحن نزرع بأي طريقة. بدون ماء لا مصنع ولا حياة.”
ويرى المزارعون أن إعادة تشغيل قنوات الري تمثل الخطوة الأولى لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي.
أثر يمتد إلى كل بيت
لم يقتصر الضرر على المصنع، بل طال القرى والأسواق والورش ووسائل النقل، وتدهورت الأوضاع المعيشية بشكل واسع.
تقول إحدى السيدات:
“زمان كل بيت عنده مصدر دخل… اليوم أغلب البيوت بلا عمل.”
تكشف قصة مصنع سكر الجنيد أن ما حدث لم يكن مجرد توقف منشأة، بل انهيار منظومة حياة كاملة.
من مشروع وطني بدأ عام 1959، وأنتج منذ 1962، إلى أطلال صامتة بعد 2023، تختصر الجنيد حكاية اقتصاد تُرك للنزيف، وإنسان تُرك للمواجهة وحده.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل تبدأ إعادة الحياة من الماء؟
أم يظل الجنيد شاهدًا على دمارٍ طال الإنسان قبل الحجر؟
نضع هذا الملف أمام الجهات المعنية، (وزارة الصناعة)التزامًا بحق المعرفة، وفي انتظار فعلٍ لا بيان.
