من الميدان إلى مقصلة الغدر: هروب اللواء النور قبة وصراع البقاء داخل الدعم السريع
انشقاق النور قبة: زلزال يضرب هيكل الميليشيا ويكشف مخططات التصفية الداخلية
شهادة الكاتب أيمن شرار حول تحول الولاء العسكري إلى فخ للموت وكواليس ليلة الهروب الكبير.
متابعات عاجل نيوز
تتجاوز أحداث الانشقاق الأخيرة التي فام بها اللواء النور قبة داخل ميليشيا الدعم السريع مجرد التغيير التقليدي في المواقع العسكرية أو التكتيكات الميدانية، لتضعنا أمام حقيقة صادمة تكشف عن أزمة ثقة وجودية بدأت تنهش صلب المنظومة من الداخل.
ففي الوقت الذي تحاول فيه الماكينة الإعلامية للميليشيا تصوير التماسك، يأتي خروج اللواء النور القبة ليحدث زلزالاً في الرواية الرسمية، .
حيث لم يعد القتال في الصفوف الأمامية وبذل الدماء صك براءة يحمي القيادات التاريخية من مقصلة الغدر التي باتت تُنصب في دهاليز القرار الخاص بـ “آل دقلو”.
ويجسد اللواء القبة، الذي يعد أحد أعمدة الميليشيا وأقدم قادتها الميدانيين، ذروة هذا التصدع؛ فالرجل الذي لم يختبئ يوماً خلف رتبته العسكرية أو يكتفِ بإصدار الأوامر من المكاتب المكيفة، وجد نفسه فجأة مهدداً ببنادق الرفقاء الذين شاركهم الخنادق لسنوات، .
مما يبرهن على أن معايير البقاء لم تعد ترتبط بالكفاءة أو الثبات القتالي، بل بمدى الخضوع المطلق لتقلبات الإرادة العائلية التي تدير المشهد بذهنية “التصفيات” لا القيادة العسكرية.
وتبرز ملامح الازدواجية والمفارقة التاريخية بشكل صارخ عند مقارنة رد فعل الميليشيا تجاه القبة مع سجلات سابقة لقيادات تنتمي لصلب الدائرة الضيقة من قبيلة “الماهرية”.
فالتاريخ القريب للحرب يشهد أن أولى طلقات الانشقاق الفعلي بدأت من الداخل العميق، حين اختار الرائد حسين هداي عمر عيساوي، وهو من المقربين جداً من “حميدتي”، الانضمام للقوات المسلحة دون أن تجرؤ الميليشيا على وصمه بالخيانة علناً بذات الحدة.
كما يبرز اسم العميد عيسى بشارة، مدير استخبارات الميليشيا، الذي أدار صفقات مالية وعمليات تواصل استخباراتية مع الجيش لإطلاق سراح أسرى مقابل مبالغ ضخمة، وهي تحركات كانت كفيلة بإعدام أي قيادي آخر، لكنها مرت تحت ستار الحماية القبلية.
هذا التمييز في إطلاق أحكام “التخوين” يؤكد أن التهمة باتت أداة سياسية انتقائية تُستخدم للتخلص من القيادات التي تمتلك ثقلاً ميدانياً مستقلاً أو رصيداً من الاحترام بين الجنود قد يهدد في مرحلة ما مركزية القرار العائلي لآل دقلو.
إن الهروب الدراماتيكي للواء القبة في ليلة الخميس لم يكن مناورة سياسية أو سعياً وراء مغانم جديدة، بل كان سباقاً يائساً مع الموت في لحظاته الأخيرة.
فقد كشفت التقارير والشهادات الميدانية، ومنها ما أورده الكاتب أيمن شرار، أن معلومات استخباراتية دقيقة وصلت للقبة تؤكد صدور أوامر مباشرة ونهائية بتصفيته جسدياً في تلك الليلة تحديداً .
هذا التحول من “رفيق سلاح” إلى “هدف للتصفية” يعكس حالة من الذعر والارتباك داخل قيادة الميليشيا، التي بدأت تشعر بأن الأرض تهتز تحت أقدامها،
فعمدت إلى تحويل غرف العمليات إلى غرف لإدارة الاغتيالات الداخلية تترصد كل من يظهر قدراً من الاستقلالية أو الامتعاض من المسار الحالي للحرب.
ليصبح الهروب بالنسبة للقبة هو السبيل الوحيد للنجاة من مصير مرسوم سلفاً خلف الأبواب المغلقة، بعيداً عن شرف المواجهة في ساحات المعارك.
ويفتح هذا المشهد المأزوم الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات التفكك الوشيك والانهيار الهيكلي، فما حدث مع اللواء النور القبة ليس إلا قمة جبل الجليد في استراتيجية “آل دقلو” الجديدة التي بدأت تضيق ذرعاً بحرسها القديم.
ومع استمرار هذه السياسة الإقصائية التي تعتمد التصفية الجسدية وسيلة لإخماد أي صوت مخالف أو كبح جماح أي طموح قيادي، تزداد حالة التوجس والتحفز بين من تبقى من الجنرالات الميدانيين.
إن هؤلاء القيادات باتوا اليوم يطرحون السؤال الوجودي الأصعب: من سيكون الضحية القادمة في قائمة التصفيات؟ وهل سيصل بهم الحال إلى انتظار رصاصة الغدر أم سيسلكون درب الهروب الذي مهدته الأقدام الثقيلة للواء القبة؟.
إن الأيام المقبلة لن تترك شيئاً مخفياً، وستكشف أن المنظومة التي بدأت تأكل أبناءها بدم بارد قد وصلت بالفعل إلى مرحلة التآكل الذاتي الذي يسبق الانهيار الكبير.