قراءة موسعة في دلالات تسليم النور قبة وتأثيره على مسار الحرب
متابعات – عاجل نيوز
من زاوية مختلفة تماماً، يفتتح حامد عثمان حامد قراءته لما جرى، واضعاً النقطة على السطر الأول بلا تردد: ما حدث ليس خبراً عابراً، بل اختراق نوعي في معركة ظلت – لفترة طويلة – محكومة بتوازنات صلبة يصعب كسرها.
استسلام النور قبة، في هذا السياق، لا يُقرأ كتحرك فردي، بل كإشارة أكبر بكثير من حجمها الظاهر. إشارة تقول إن ما كان يبدو متماسكاً إلى حد الاستعصاء، بدأ يفقد تماسكه من الداخل.
ولذلك، فإن التقليل من هذا الحدث – كما يرى – لا يعكس قراءة باردة، بل حالة إحباط مفهومة الدوافع.
ويمضي الكاتب في تفكيك المفاجأة المزعومة…
فمنذ اليوم الأول للحرب، كان خيار العفو العام مطروحاً لكل من يضع السلاح. الباب لم يُغلق، ولم تكن هناك شروط تعجيزية.
لذلك، فإن توالي حالات التسليم ليس أمراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار مفتوح منذ البداية. أما من يتعامل مع الأمر وكأنه حدث استثنائي، فإما أنه لم ينتبه لذلك، أو يتجاهله عمداً.
لكن التحول الحقيقي – في تقديره – لا يكمن في فعل التسليم ذاته، بل في ما سيترتب عليه.
فقوة المليشيا خلال الفترة الماضية لم تكن فقط في العتاد، بل في التماسك الاجتماعي بين مكوناتها ذات الجذور المشتركة.
هذا التماسك كان الحصن الذي صعّب اختراقها، وجعل أي محاولة للتفكيك تبدو بعيدة المنال.
الآن… الصورة تختلف.
مع أول انشقاق بهذا الحجم، ستبدأ مرحلة جديدة:
المعلومات ستخرج من الداخل…
الشكوك ستتسع…
والاتهامات بالتخابر ستتحول من همس إلى خطاب يومي داخل الصف الواحد.
وهنا، يرى الكاتب أن قرار الترحيب بهذه الانشقاقات لم يكن قراراً عاطفياً أو ارتجالياً، بل خطوة مدروسة بعناية. لأن أثرها لا يقتصر على إضعاف القوة العسكرية، بل يمتد إلى تفكيك السردية التي بُنيت عليها عملية التعبئة، خاصة تلك القائمة على فكرة الاستهداف الجماعي.
هذه السردية – التي وصفها الكاتب بالدعاية – كانت أحد أهم أدوات الحشد، ومع اهتزازها، يهتز معها جزء كبير من الروح المعنوية للمقاتلين ومناصريهم.
وفي الخلفية، يلفت الانتباه إلى مؤشر لا يقل أهمية:
تصاعد الشكاوى داخل بعض المكونات من التمييز لصالح عشيرة بعينها.
هذا التململ، الذي كان يُدار بصمت، بدأ يطفو على السطح. ومع خطوة مثل خطوة قبة، قد يتحول إلى موجة تسويات وانشقاقات تقودها قيادات تبحث عن مخرج مختلف.
وسط هذا المشهد، يتوقف الكاتب عند نقطة يعتبرها مفصلية:
الخلط المتعمد – في رأيه – بين فئات مختلفة تماماً.
هناك من تم القبض عليهم في حالة عداء مباشر بعد أن تمكنت منهم الدولة، وهؤلاء يخضعون لأحكام قانونية واضحة.
وهناك من اختاروا إلقاء السلاح قبل حسم المعركة، وكان أمامهم خياران: الاستمرار في القتال أو الخروج. الفرق – كما يؤكد – كبير وواضح، ولا يجوز وضع الحالتين في سلة واحدة.
ومع كل هذا التحليل، لا يغيب البعد الإنساني.
فالكاتب يعترف بوجود جراح عميقة خلفتها الحرب في نفوس قطاع واسع من المجتمع. هذه الجراح لا تُمحى بسهولة، ولا يمكن تجاوزها بخطاب عام. لكن، في المقابل، يوضح أن العفو العام لا يلغي الحقوق الفردية، وأن باب القضاء يظل مفتوحاً لكل من يرى أن حقه قد انتُهك.
وفي لحظة تأمل، يستدعي معنى أعمق، مستنداً إلى النص القرآني:
“وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله”
ليؤكد أن الميل نحو تقليل الخسائر وحقن الدماء ليس ضعفاً، بل خيار استراتيجي، خاصة إذا كان يؤدي إلى تفكيك الخصم من الداخل، وهو – في ميزان المكاسب – أقل كلفة وأكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
لكن، وبقدر ما يدعم هذا المسار، يضع خطاً أحمر واضحاً:
المكافأة بالمناصب السياسية.
ففي تقديره، هذا خيار لن يتقبله الشارع، لأنه يفتح الباب أمام صناعة طبقة جديدة من أمراء الحرب، تجمع بين قوة السلاح وشرعية السياسة دون استحقاق انتخابي، وهو ما قد يخلق أزمة جديدة بدلاً من حل الأزمة الحالية.
ويمد هذا التحذير ليشمل الترتيبات القائمة، مشيراً إلى أن تنفيذ الاتفاقات يجب أن يكون كاملاً، لا انتقائياً. فمن قبل بالمحاصصة في السلطة والثروة، عليه أن يقبل أيضاً بالترتيبات الأمنية والدمج تحت قيادة واحدة، وإلا فإن المشهد سيظل منقوصاً.
وفي زاوية أخرى، يوجه نقداً مباشراً للأداء الإعلامي، معتبراً أن حدثاً بحجم تسليم قبة كان يمكن أن يتحول إلى ضربة معنوية قوية، لو تم استثماره بسرعة وكفاءة. لكن البطء – أو ما سماه بالجرجرة – أضاع جزءاً من هذا التأثير في زمن أصبحت فيه السرعة عاملاً حاسماً.
وفي ختام قراءته، لا يكتفي بالتوصيف، بل يذهب إلى التوقع:
قبة قد لا يكون الأخير.
والمرحلة القادمة تحتاج إلى إعداد خطاب إعلامي متماسك، قادر على استيعاب هذه التحولات وتقديمها بصورة مقنعة.
ثم يترك سؤالاً مفتوحاً، يحمل في طياته قدراً من التحدي:
من يرفع شعار “لا للحرب”…
هل يرى في إنهائها عبر التسليم طريقاً حقيقياً،
أم أن النهاية – في نظره – لا تتحقق إلا بصيغة أخرى؟