من “لا تفاوض” إلى “التسويات”.. هل أصيبت ذاكرة القادة بـ”الزهايمر السياسي”؟
تناقض الخطاب السياسي في السودان بين التحرير والتسوية
دماء السودانيين صارت “حبراً على ورق”.. نفس الوجوه تعود لتسويق الوهم ذاته بلا خجل!
متابعات – عاجل نيوز
قبل ستة أشهر فقط، كانت الكلمات تخرج من المنصات ملتهبة، يملؤها الوعيد والوعد بالتحرير، وعودة النازحين، وإعلان “اللاءات” الحاسمة: لا تفاوض مع من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين! .
كانت تلك الوعود هي البوصلة التي يرتكز عليها المواطن المغلوب على أمره، مؤمناً بأن هناك “مبدأً” يحكم المشهد.
واليوم، نفتح التلفاز أو نتابع منصات التواصل، لنرى نفس الوجوه، ونفس الأصوات، ولكن بنبرة مختلفة تماماً. اختفت “اللاءات” وحلت محلها “نعم” للتسويات، وجلوس في غرف مغلقة مع أطراف كانوا بالأمس القريب هم العدو الأول.
لا اعتذار، لا تفسير، ولا حتى خجل من التراجع المريع عن المواقف؛ ففي القاموس السياسي السوداني، “المبدأ” هو السلعة الوحيدة التي تخضع دائماً للتفاوض،.
بينما “المواطن” هو الكائن المطالب دائماً بمسح ذاكرته، وابتلاع الرواية الجديدة، ونسيان أن ما قيل بالأمس كان “مقدساً”!
إنها حالة من “الانفصام السياسي” الذي يدفع ثمنه المواطن وحده. هل يظن هؤلاء القادة أن الشعوب ذاكرتها أسماك؟ أم أن الوصول للسلطة يبرر سحق كل الخطابات السابقة تحت أقدام المصالح الشخصية؟.
إن التحول من النقيض إلى النقيض دون مراجعة أو اعتراف ليس مجرد “تكتيك سياسي”، بل هو إعلان صريح عن غياب أخلاق المسؤولية.
ويبقى السؤال المحير: إذا كانت المواقف تتغير بهذه السرعة، فما الذي يضمن لنا أن تسوية اليوم لن تُباع في المزاد غداً؟
لله درك يا مواطن، أنت الضحية الدائمة في معادلة لا ترحم، والوقود الذي تُحرق به مواقدهم، والورقة التي ينسونها حين يكتمل نصاب “التسوية”.