خيوط الفساد في مفاصل الدولة: صفقات “الأصدقاء والمقربين” تنهش جسد الاقتصاد السوداني
تحقيق في شبهات فساد وتجاوزات في العطاءات الحكومية بالسودان
عبدالماجد عبدالحميد يكشف تجاوزات عطاءات الخدمات الحيوية ويطالب بوقفة حاسمة ضد مراكز النفوذ
متابعات – عاجل نيوز
عبدالماجد عبدالحميد –
في لحظة تاريخية حرجة تمر بها البلاد، يبرز ملف الفساد كواحد من أخطر التحديات التي تهدد تماسك أجهزة السلطة واستقرار الدولة. لقد بات من الملح والضروري اتخاذ تدابير عاجلة لمحاصرة مظاهر الفساد، سواء كان ظاهراً للعيان أو مستتراً خلف واجهات تجارية براقة، وذلك لضرب مراكز النفوذ التي تحاول الاستيلاء على مقدرات البلاد لمصالح شخصية ضيقة، بعيداً عن مصلحة العباد والبلاد التي أصبحت مهددة بالتآكل بفعل التجاوزات المستمرة.
إن استمرار الأجهزة المختصة في موقف المتفرج أمام سيل المعلومات والتقارير التي تؤكد ضلوع شركات ناشئة ومجموعات من “الأصدقاء والمقربين” في صفقات مشبوهة، يمثل خطراً جسيماً يتطلب تدخلات حازمة.
فالفساد هنا لا يحتاج إلى أدلة معقدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية لكشف الحقائق؛ حيث تفوح رائحة التجاوزات من عمليات البيع والشراء والتسهيلات التي تتم تحت غطاء رسمي، في وقت يعاني فيه المواطن من تداعيات الأزمات الاقتصادية الخانقة.
وفي هذا السياق، تبرز واقعة عطاء لاستيراد معينات خدمة حيوية كنموذج صارخ لهذه التجاوزات..
فقد فوجئت الشركات المتنافسة بوجود شركة تتبع لمسؤول بارز ضمن القائمة القصيرة، بل إن الأسعار التي قدمتها هذه الشركة كشفت عن اطلاع مسبق على عروض المنافسين، مما يضمن لها الفوز بالعطاء في منطقة سعرية مدروسة بعناية.
هذه الممارسات لا تعكس فقط سوء الإدارة، بل تدل على استغلال فاضح للنفوذ يضعف الثقة في المؤسسات الحكومية.
إن غياب المؤسسات الرقابية والتشريعية في الدولة السودانية حالياً منح بيئة خصبة لاتساع دائرة المخالفات المالية والإدارية.
هذا الفراغ القانوني والرقابي هو المظلة التي يتوارى خلفها المفسدون لممارسة نشاطاتهم المشبوهة، مما يحتم على الجهات المسؤولة التعجيل بملء هذا الفراغ عبر تشكيل مؤسسات تشريعية ورقابية فاعلة، قادرة على محاسبة المتورطين وحماية المال العام من التبديد والاستغلال غير المشروع من قبل ذوي القربى.
أمام هذا الواقع المأزوم، يبرز تساؤل جوهري يطرحه الشارع السوداني والمهتمون بالشأن العام: ماذا حدث بشأن التقرير الأخير الذي قدمه المراجع العام لحكومة السودان؟ .
لقد وضع هذا التقرير بين يدي المسؤولين كوثيقة إدانة أو خارطة طريق للإصلاح، لكن الصمت المطبق تجاهه يثير الريبة.
إن الاستمرار في تجاهل تقارير الرقابة الرسمية يعني فتح الباب على مصراعيه لنهب موارد الدولة، وهو ما لن يغفره التاريخ أو الشعب في هذه المرحلة الدقيقة.
ختاماً، إن مكافحة الفساد في أجهزة السلطة الحالية ليست ترفاً سياسياً، بل هي ضرورة وطنية قصوى. فبناء مستقبل مستقر للسودان لا يمكن أن يتحقق في ظل نمو مراكز نفوذ فاسدة تستنزف موارد الدولة.
إن المطلوب اليوم هو تحرك شجاع يضع حداً لهذه الممارسات، وتطبيق سيادة القانون على الجميع دون استثناء، لضمان أن تظل موارد الوطن لخدمة المواطن وليس لرفاهية “الأصدقاء والمقربين” الذين يتاجرون بقوت الشعب وأمنه.