صراع الأفيال فوق الأنقاض: كيف أصبح البحر الأحمر وثروات السودان ساحة للتنافس بين القوى الكبرى؟
صراع الأفيال فوق الأنقاض: كيف أصبح البحر الأحمر وثروات السودان ساحة للتنافس بين القوى الكبرى؟
صراع الأفيال فوق الأنقاض: كيف أصبح البحر الأحمر وثروات السودان ساحة للتنافس بين القوى الكبرى؟
متابعات – عاجل نيوز
إعداد: محمد أحمد شبشة
في المثل الإفريقي الشهير، حين تتصارع الأفيال لا تُكسر أنيابها، وإنما يُسحق العشب تحت أقدامها. وربما لم يجد السودان، منذ اندلاع الحرب، استعارة أبلغ من هذه. فبينما تستنزف الحرب الدولة والمجتمع، وتنهار المؤسسات، وتغيب الأولويات الوطنية، تتقدم القوى الكبرى، كلٌ بأدواته، لترسم خريطة نفوذ جديدة على البحر الأحمر وفي باطن الأرض السودانية.
في غضون أيام قليلة فقط، بدا المشهد وكأنه لوحة مكتملة الأركان. فالولايات المتحدة تصعد ضغوطها السياسية وتلوح بعقوبات جديدة، متهمة الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية ومشددة على أن الحرب وصلت إلى طريق مسدود،.
في جولة عقوبات هي الثانية من نوعها، إذ سبق لواشنطن أن حددت رسمياً عام 2024 استخدام الجيش السوداني لهذا النوع من الأسلحة، بينما رفض سفير السودان لدى الأمم المتحدة هذه الاتهامات مجدداً،.
مؤكداً أن واشنطن لم تقدم دليلاً واحداً رغم عام كامل من التحقيقات الثنائية بين البلدين. وفي المقابل، تتحرك موسكو عبر مسار مختلف يقوم على تفعيل شراكاتها الاستراتيجية مع الخرطوم، .
بينما تمضي بكين بهدوء لافت في توسيع حضورها الاقتصادي، عبر تطوير الموانئ، وتخفيف أعباء الديون، والانفتاح على استثمارات جديدة في قطاع التعدين.
قد تبدو هذه الملفات منفصلة، لكنها في الواقع تنتمي إلى معادلة واحدة: إعادة توزيع النفوذ في السودان.
فالاتفاق الذي وقعته المؤسسة العامة للموانئ البحرية مع شركة CHEC (China Harbour Engineering Company) الصينية، في السادس من يوليو 2026 في بكين، لا يقتصر على صيانة الأرصفة أو تحديث المعدات، بل يمتد إلى إعادة تأهيل الموانئ القائمة وإنشاء موانئ جديدة،.
في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فالحديث هنا لا يدور عن منشآت خدمية فقط، وإنما عن البوابة السودانية على البحر الأحمر، حيث تتقاطع التجارة الدولية مع التنافس العسكري والجيوسياسي.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المؤشرات حول اتفاق طويل الأمد لاستغلال النحاس في ولاية البحر الأحمر باستثمارات تقدر بنحو 300 مليون دولار، بحسب تقارير سودانية متداولة نشرتها منصتا “سودان نايل” و”سودان أخبار”.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإن السودان سيكون أمام شراكة تمتد لثلاثة عقود يحصل بموجبها على حصة 30% من الأرباح، في أحد المعادن التي أصبحت تمثل عصب الاقتصاد العالمي الجديد، مع التحول نحو السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة،.
وهي قطاعات تستحوذ الصين فيها على النصيب الأكبر من الاستهلاك والتصنيع. غير أن الصفقة لم تخلُ من الجدل داخلياً، إذ طالب المجلس الاستشاري لشرق السودان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بتعليق الامتياز المخطط له،.
محتجاً بأن المفاوضات تجري بمعزل عن الرقابة والتشاور الكافيين، وهو اعتراض يعكس أن التنافس على النفوذ لا يقتصر على الخارج، بل يمتد إلى صراع داخلي حول من يملك حق التفاوض باسم الدولة.
لكن اللافت أن هذه التحركات جاءت بعد أسابيع قليلة من إعلان بكين إسقاط أربعة قروض سودانية بلا فوائد، بقيمة تقارب خمسين مليون دولار.
في ظاهر الأمر، تبدو الخطوة دعماً لاقتصاد أنهكته الحرب. أما في سياقها الأوسع، فإنها تعكس فلسفة صينية مختلفة في إدارة النفوذ.
فبكين لا تنافس واشنطن بالعقوبات، ولا تعتمد المقاربة الروسية القائمة على تفعيل الشراكات الحكومية والاتفاقيات الاستراتيجية، وإنما تفضل التغلغل عبر البنية التحتية، والموانئ، والطاقة، والموارد الطبيعية، وهي أدوات تمنح نفوذاً طويل الأمد بأقل قدر من الضجيج السياسي.
وبالنسبة للسودان، تزداد حساسية هذه المعادلة لأن كل ذلك يجري في ظل حرب مستمرة، ومؤسسات منهكة، واقتصاد يبحث عن أي منفذ للتمويل والاستثمار.
ولعل ما يمنح هذه التحركات أهمية استثنائية أنها لا تمثل سلوكاً جديداً في السياسة الخارجية الصينية، بل تعكس نموذجاً سبق أن اختبرته بكين في أكثر من دولة.
ففي سريلانكا، انتهى مشروع ميناء هامبانتوتا إلى انتقال تشغيله إلى شركة صينية بعقد امتياز طويل الأجل بعد تعثر الحكومة في سداد ديونها، ليصبح الميناء لاحقاً أحد أكثر الأمثلة تداولاً في النقاش العالمي حول العلاقة بين التمويل والنفوذ الجيوسياسي.
وفي باكستان، تحول ميناء جوادار إلى ركيزة أساسية في مبادرة “الحزام والطريق”، بينما شهدت جيبوتي انتقالاً تدريجياً من الاستثمارات في الموانئ والبنية التحتية إلى احتضان أول قاعدة عسكرية صينية خارج الأراضي الصينية.
ورغم اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية بين هذه الدول والسودان، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في أن النفوذ الصيني بدأ دائماً من بوابة الاقتصاد، ثم توسع تدريجياً ليكتسب أبعاداً استراتيجية تتجاوز بكثير أهدافه التجارية الأولى.
ولذلك لا يتعلق السؤال المطروح اليوم بما إذا كانت الصين تستثمر في السودان، فذلك أمر طبيعي في حد ذاته، وإنما بطبيعة هذه الاستثمارات، ومدى ارتباطها برؤية جيوسياسية أوسع لمنطقة البحر الأحمر وطرق التجارة العالمية.
ولا تبدو الصين وحدها في هذا المشهد. ففي الوقت الذي تمضي فيه بكين في ترسيخ حضورها الاقتصادي، تواصل موسكو بدورها تفعيل شراكتها مع الخرطوم،
حيث انعقدت في 23 يونيو 2026 أعمال الدورة الحادية عشرة للجنة التشاور السياسي السودانية الروسية، التي بحثت سبل تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة سابقاً وتحديثها، .
ولا سيما في مجالات الطاقة والنفط، والنقل والبنية التحتية، وإعادة الإعمار، امتداداً لبروتوكول التعاون الاقتصادي والتجاري الذي وقعه البلدان في 24 سبتمبر 2025، بما يكشف أن التحرك الروسي ليس طارئاً وإنما استمرار لمسار قائم منذ أكثر من عام.
وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، عبر العقوبات والاتهامات المتعلقة بسير الحرب، في إطار مقاربة تربط بين إنهاء النزاع وإعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان.
وهكذا، لم يعد الصراع على السودان يدور فقط حول من ينتصر في الميدان، بل أيضاً حول من يملك الميناء، ومن يستخرج المعادن، ومن يعيد بناء البنية التحتية، ومن يحصل على موطئ قدم دائم على البحر الأحمر.
لهذا ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة أن الحرب التي دمرت الاقتصاد السوداني لم تؤد إلى انكفاء التنافس الدولي، بل جعلته أكثر كثافة.
فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قيمة أصولها بالنسبة للقوى الخارجية، وكلما اتسعت رقعة الدمار، أصبح رسم خريطة النفوذ الجديدة أسهل.
وإذا كانت الولايات المتحدة تستخدم العقوبات أداةً للضغط السياسي، وتركز روسيا على تفعيل الشراكات الحكومية والقطاعية، .
فإن الصين تبدو وكأنها تخوض معركة مختلفة تماماً. فهي لا تتقدم عبر القواعد العسكرية ولا عبر الخطاب السياسي الصاخب، بل عبر الموانئ، وشبكات النقل، والطاقة، والتعدين، وتخفيف أعباء الديون.
إنها استراتيجية هادئة في ظاهرها، لكنها قد تكون الأعمق أثرًا لأنها تستهدف مفاصل الاقتصاد وأصول الدولة الاستراتيجية.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان بعد الحرب: هل ستنجح الدولة، عندما تستعيد عافيتها، في توظيف هذه الشراكات لخدمة مشروع وطني لإعادة الإعمار والتنمية،.
أم أن الحاجة الملحة إلى التمويل في زمن الحرب ستفضي إلى ترتيبات طويلة الأمد تعيد رسم حدود القرار الاقتصادي والسيادي لعقود مقبلة؟ .
ففي مثل هذه اللحظات، لا يكون الصراع الحقيقي على ما دمرته الحرب، بل على من يملك مفاتيح إعادة بنائه.