من عِفّة الجرسون إلى فساد الخدمة المدنية.. هل نستعيد السودان الذي كان؟
عادل المفتي: هل نستعيد السودان الذي كان؟
كابتن عادل المفتي يستعيد قصة من مطار الخرطوم ويكتب عن الكرامة والرشوة وإعادة بناء الدولة
متابعات –عاجل نيوز
19 أغسطس 2026
هناك أشياء لا تُقاس بالمال، ولا تُشترى بالمنصب، ولا تمنحها السلطة، وإنما اسمها الكرامة والنزاهة وعفة النفس واحترام الإنسان.
كانت هذه القيم يومًا من أجمل ما يميز الشخصية السودانية، وكانت الوظيفة العامة في نظر كثير من السودانيين أمانة ومسؤولية، لا وسيلة للحصول على المال من المواطن مقابل أداء العمل الذي يتقاضى الموظف راتبه من الدولة من أجل القيام به.
لكن السؤال المؤلم اليوم: أين ذهبت أخلاق الخدمة العامة التي كان السودانيون يفخرون بها؟
وكيف أصبح بعض الموظفين يطلبون المال مقابل أداء واجباتهم؟ وكيف تحولت ممارسة كانت تُعد عيبًا ومهانة إلى سلوك يتعامل معه البعض وكأنه أمر طبيعي؟
هذه ليست قضية خمسة جنيهات.
إنها قضية انهيار قيمة.
قصة الجرسون التي لم أنسها
في بداية حياتي المهنية، وأثناء فترة الديمقراطية الأخيرة، قدت طائرة خاصة من الرياض إلى الخرطوم، وكان على متنها الأمير أحمد بن عبدالعزيز، نائب وزير الداخلية السعودي في ذلك الوقت، في رحلة صيد إلى السودان.
وكان يرافقني زميلي الطيار السعودي الكابتن عبدالحكيم التميمي، الذي تقلد لاحقًا، وحتى وقت قريب، منصب رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السعودي.
بعد هبوطنا في مطار الخرطوم، ذهبنا إلى مطعم على سطح المطار لتناول الإفطار، وكان المطعم يستخدم كذلك من الجمهور لاستقبال ووداع المسافرين من أعلى سطح المطار.
وعندما عدت من غسل يدي، وجدت حديثًا حادًا بين الكابتن عبدالحكيم وأحد العاملين السودانيين في المطعم، وكان يرتدي الجلابية السودانية الأنيقة والعمامة البيضاء والحزام الأخضر الذي يتوسط الخصر، وكان يسمى حينها «الجرسون» أو النادل.
سألت عن السبب، فعرفت أن الكابتن ترك للعامل مبلغًا بسيطًا باعتباره «بخشيشًا».
لكن المفاجأة أن العامل اعتبر ذلك إهانة.
قال، بمعنى كلامه: أنا أعمل هنا وأتقاضى راتبًا مقابل عملي، فلماذا تعطيني مالًا إضافيًا؟
استغرب الكابتن عبدالحكيم كثيرًا، وقال إنه لم يرَ مثل هذه العفة والكرامة في حياته أو في أي مكان آخر في العالم.
وظلت تلك الحادثة عالقة في ذاكرتي.
من خمسة جنيهات إلى ثقافة
مرت السنوات، وعدت لاحقًا إلى مطار الخرطوم، وبدأت شركة خاصة في خدمات المناولة الأرضية.
وفي إحدى الرحلات، قاد سائق عربة توجيه الطائرات عربته إلى مكان بعيد عن الموقع المخصص للطائرة، واضطررنا إلى تحويل السلالم والمعدات إلى المكان الجديد، مما تسبب في تأخير نزول الركاب من الطائرة.
سألت عن السبب.
فجاءتني الإجابة الصادمة:
«نسينا أن نعطيه الخمسة جنيهات التي اعتاد عليها».
هنا أدركت حجم التحول الذي حدث.
لم تكن الخمسة جنيهات هي القضية، وإنما ما وراءها.
كنت أقف في المطار نفسه، وحينها رفعت نظري إلى أعلى السطح، متخيلًا الجرسون السوداني أمامي، وتحسرت على الماضي، واستحضرت كلمات أغنية الفنان الكبير محمد وردي والشاعر الحلنقي:
«أقابلك في زمن ماشي
وزمن جاي، وزمن لسه
أشوف الماضي فيك باكر
أريت باكر يكون هسه»
في تلك اللحظة أدركت أن ما كان يُعد في الماضي انتقاصًا من الكرامة أصبح مع مرور الوقت حقًا مكتسبًا.
وأصبح الموظف قادرًا على تعطيل العمل أو تغيير طريقة أدائه لمجرد أنه لم يحصل على المال الذي اعتاد عليه.
عندما يتحول الفساد إلى عرف
الفساد لا يبدأ دائمًا بمبلغ كبير.
قد يبدأ بجنيه، ثم خمسة، ثم «حق الشاي»، ثم «حق المعاملة»، حتى يصبح الأمر عرفًا، ثم منظومة، ثم ثقافة اجتماعية.
ويبدأ الناس في السؤال:
«لماذا لا تدفع وتخلص نفسك؟»
بدلًا من السؤال الأهم:
«لماذا طلب منك الموظف المال أصلًا؟»
المشكلة ليست في الموظف وحده، بل في منظومة كاملة تشمل ضعف الرقابة، والتغاضي، والواسطة، وضعف الأجور، وشعور الفاسد بأنه محمي من العقاب، خصوصًا عندما يرى رئيسه يسرق ولا تصل إليه يد التحقيق والمحاسبة.
فإذا كان المسؤول الأكبر لا يُحاسب، فمن سيحاسب الموظف الصغير على المبلغ الزهيد؟
إعادة بناء الإنسان قبل الحجر
إصلاح السودان بعد الحرب يجب ألا يقتصر على إعادة بناء المباني والمؤسسات المادية.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان والمؤسسة والثقة.
نحتاج أولًا إلى وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وإلى رقمنة الخدمات، وتركيب كاميرات مراقبة في المواقع الحساسة، وإنشاء نظام مستقل للشكاوى، وفرض عقوبات حقيقية وسريعة، وحماية الموظف النزيه، وتحسين الأجور، وإعلان الرسوم والإجراءات بوضوح، وإلغاء ثقافة الواسطة، ومحاسبة المسؤول الذي يتستر على الفساد.
فالشرطة والمرور والخدمة المدنية ليست مؤسسات لتحصيل المال من المواطن، وإنما مؤسسات لخدمته وحمايته.
والدولة القوية ليست الدولة التي يخاف منها المواطن، بل الدولة التي يعرف فيها المواطن أن القانون يحميه.
كيف نستعيد السودان الذي كان؟
أريد أن أعود إلى قصة ذلك الجرسون البسيط في مطعم سطح مطار الخرطوم.
لم يكن يملك منصبًا ولا ثروة، لكنه كان يملك شيئًا أعظم: كرامته.
ظل موقفه عالقًا في ذاكرة الكابتن عبدالحكيم سنوات طويلة، حتى أصبح ذلك العامل البسيط سفيرًا للسودان في ذاكرة رجل طاف بلدانًا كثيرة وتقلد مناصب رفيعة.
هذا هو السودان الذي نريده.
السودان الذي لا يمد فيه الموظف يده للمواطن، ولا يحتاج فيه المواطن إلى رشوة أو واسطة للحصول على حقه.
لقد عانى المواطن السوداني الحرب والنزوح والفقر وفقدان الممتلكات والأمان، فلا يجوز أن يعود ليجد حربًا أخرى داخل المكاتب الحكومية، عنوانها الرشوة والإهانة واستغلال السلطة.
لن نستعيد وطننا بإعادة بناء الحجر وحده.
سنستعيده عندما نعيد بناء الإنسان.
عندما يقف الموظف أمام المواطن باعتباره إنسانًا له حق وكرامة، ويقف الشرطي باعتباره حارسًا للقانون، ويدخل المواطن المصلحة الحكومية مرفوع الرأس لأنه يعرف أن حقه محفوظ بالقانون.
حينها فقط نستطيع أن نقول:
بدأ السودان يتعافى فعلًا من جديد.
من «دولة 56» إلى السودان الذي نريده
ويذهب المقال بعد ذلك إلى المقارنة بين ما يسميه الكاتب «دولة 56» والسودان الذي ينشده في مرحلة ما بعد الحرب.
ويستشهد بقصة المربي الكبير عبدالرحمن علي طه، الذي كان وزيرًا للحكومات المحلية في حكومة حزب الأمة عام 1958، قبل أن يعود بعد سقوط الحكومة إلى قريته أربجي للاستقرار النهائي.
وبحسب الرواية التي يسوقها المفتي، وصل خطاب من وزارة الأشغال يفيد بأنه لن يحصل على خطاب خلو طرف من المنزل الحكومي الذي كان يشغله، بسبب فقدان «طبلة قراش» المنزل.
ويقول إن ابنه فيصل عبدالرحمن علي طه ذهب إلى الخرطوم واشترى طبلة بمبلغ 25 قرشًا، ثم سلمها لمهندس الأشغال وعاد بخلو الطرف.
ويرى المفتي أن هذه القصة، ببساطتها، تقدم نموذجًا لما يعتبره انضباطًا مؤسسيًا واحترامًا للإجراءات في السودان القديم.
ومن هنا ينتقل إلى سؤال السودان الجديد: هل تستطيع دولة 2026 أن تستعيد جوهر تلك القيم، بعيدًا عن الشعارات والمزايدات السياسية؟
الدولة التي نريدها بعد الحرب
الدولة التي تريد أن تستعيد عافيتها لا يكفي أن تعيد بناء مؤسساتها ومبانيها.
عليها أن تعيد للوظيفة العامة معناها، وللأمانة مكانتها، وللقانون هيبته، وللمواطن كرامته.
فالدولة لا تُبنى بالطرق والمباني وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بالثقة.
ثقة المواطن في الموظف.
وثقة الموظف في القانون.
وثقة الجميع في أن المسؤول، مهما كان منصبه، يخضع للمحاسبة.
ويختتم كابتن طيار عادل المفتي مقاله بالتأكيد على أن السودان الذي يطمح إليه السودانيون بعد الحرب يجب أن يكون دولة تستعيد قيم النزاهة والانضباط والكرامة، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وبالبلدي، وببساطة شديدة، فإن استعادة السودان لا تعني فقط استعادة المدن والمؤسسات، وإنما استعادة القيم التي جعلت المواطن السوداني يرفض «البخشيش» لأنه كان يراه انتقاصًا من كرامته.
ذلك الجرسون الذي رفض خمسة جنيهات لم يكن يملك سلطة، لكنه كان يملك قيمة.
وربما يكون السؤال الأكبر الذي يطرحه المقال هو:
هل نستطيع، بعد كل ما حدث، أن نستعيد تلك القيمة من جديد؟