مصطفى البطل : خزعبلات مناوي في وجه التاريخ.. من قال إن الشخصيات المستقلة لا تصنع الحوارات وتنهي الحروب؟!
جدل حول رفض مناوي للحوار السوداني ودور الشخصيات المستقلة
مناوي والحوار السوداني: من أين جاءت هذه الفكرة؟!
متابعات – عاجل نيوز
في حوار أجرته الصحافية اللامعة شمائل النور ونشرته صحيفة «أفق جديد»، عبّر السيد مني أركو مناوي عن معارضته ورفضه القاطع للحوار السوداني ـ السوداني والتحضيرات الجارية لعقده.
وهذا، بطبيعة الحال، من حقه، ولا جدال في ذلك.
غير أن ما أثار دهشتي حقاً هو السبب الأول والرئيسي الذي ساقه لهذه المعارضة والرفض، فقد قال مناوي: «الحوار السياسي ليس من اختصاص الشخصيات المستقلة.
التنظيمات السياسية فقط هي صاحبة الاختصاص في طرح وإدارة أي حوار»!
وهذه، في تقديري، من أغرب المقولات التي سمعتها أو قرأتها طوال حياتي.
ولا أظن أنه قد سبق مناوي إليها سابق أو سيلحقه اليها لاحق. من أين، يا ترى، أتى الحبيب مناوي بهذه الخزعبلة؟!
التاريخ السياسي الحديث، في العالمين الغربي والشرقي على السواء، حافل بأمثلة لرجال ونساء وأكاديميين ومهنيين ومثقفين وشخصيات مستقلة، لم يكونوا أطرافاً سياسية رسمية، لكنهم نجحوا في فتح قنوات للحوار وفي تهيئة الأرض لتسويات سياسية كبرى، بل وفي المساعدة على إنهاء حروب وصراعات مستعصية.
تأمل، أعزك الله، في ملفات مؤتمر دارتموث الذي بدأ عام 1957، في ذروة الحرب الباردة، بمبادرة من علماء وأكاديميين أمريكيين وسوفييت.
ولم يكن ذلك مؤتمراً رسمياً بين الحكومتين، بل قناة غير رسمية أتاحت لعلماء ومفكرين من المعسكرين المتخاصمين أن يجلسوا معاً ويتحاوروا حول أخطر قضايا الحرب والسلام. واستمر هذا المسار لاحقاً كإحدى قنوات الاتصال غير الرسمية بين الطرفين.
ثم لحقت بها حركة بوغواش “وهي مدينة صغيرة تقع في شرقي كندا، ، وجمعت علماء ومفكرين مستقلين من دول مختلفة من المعسكرين الغربي والشرقي لمناقشة مخاطر الحرب النووية وسباق التسلح.
واستطاعوا أن يخلقوا جسراً للحوار وأن يحملوا أفكارهم ومقترحاتهم إلى دوائر صنع القرار. وفي عام 1995 مُنحت حركة بوغواش للعلوم والشؤون العالمية جائزة نوبل للسلام، تقديراً لجهودها في الحد من خطر الحرب النووية.
وربما لم يكن السيد مناوي يعلم أن من التجارب المهمة التي مهدت الطريق لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا «حوار داكار» عام 1987، حين اجتمعت مجموعة من المثقفين والأكاديميين والمهنيين ورجال الأعمال والكتاب من البيض الجنوب أفريقيين مع قيادات المؤتمر الوطني الأفريقي المحظور آنذاك، في لقاء نظمته مؤسسة «المبادرة الديمقراطية البديلة لجنوب أفريقيا» (IDASA).
وقد شارك الجانب غير المنتمي إلى المؤتمر الوطني الأفريقي في اللقاء بصفته الشخصية، لا ممثلاً رسمياً لأي حزب أو حكومة.
وانتهى اللقاء إلى توافقات مهمة بشأن إمكان الانتقال إلى نظام ديمقراطي غير عنصري، وكان ذلك الحوار من المحطات التي أسهمت بصورة مباشرة في فتح الطريق أمام إنهاء نظام الأبرتهايد.
والأمر نفسه ينطبق على المسار الذي أفضى إلى اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث بدأ المسار عبر قنوات غير رسمية وبمشاركة أكاديميين وباحثين ووسطاء من خارج الأطر الحكومية.
وفي أفريقيا، لعبت الكنائس والمنظمات الدينية والمدنية والشخصيات المستقلة أدواراً بارزة في فتح قنوات للحوار والوساطة في عدد من النزاعات.
ومن أشهر الأمثلة تجربة جماعة سانت إيجيديو في موزمبيق، وهي جماعة مدنية ذات طابع ديني، نجحت في جمع الحكومة وحركة رينامو وفتح مسار مفاوضات استمرت أكثر من عامين وانتهت بتوقيع اتفاق السلام الذي أنهى الحرب الأهلية هناك.
ولعل انجح الحوارات واكثرها فاعلية في تاريخ السودان المعاصر هو ذلك الحوار الذي قاده رجل الاعمال المستقل فتح الرحمن البشير ، .
وتمكن من خلاله من نزع فتيل التوتر واحتمالات تكرار الاقتتال بين الجيش والمجموعات المسلحة التابعة للجبهة الوطنية التي كانت مرابطة في ليبيا واثيوبيا، وكان من نتائجه عودة قادة الجبهة الوطنية بقيادة الصادق المهدي الى البلاد ومشاركتها في الحكم.
إذن، ليس صحيحاً، لا منطقاً ولا تاريخاً ولا ممارسةً، أن الحوار السياسي حكرٌ على التنظيمات والأحزاب السياسية. وفي التاريخ السياسي من الشواهد ما يثبت ويؤكد أن النجاح لا يشترط دائماً أن يبدأ من داخل المؤسسات السياسية!
الاعتراض على الحوار السوداني ـ السوداني يمكن أن يكون موضوعاً مشروعاً للنقاش، ويمكن لمناوي أو غيره أن يرفض المشاركة فيه أو أن يعترض على أجندته أو أطرافه أو توقيته.
أما القول بأن مجرد كون القائمين عليه «شخصيات مستقلة» يسلبهم حق المبادرة إلى الحوار أو تنظيمه، فهذه دعوى لا يسندها تاريخ السياسة ولا تجارب الشعوب في إدارة النزاعات وحلها!