خطة الـ150 كيلو: كيف يمكن لاحتياطي الذهب أن يمنح الجنيه طوق النجاة؟
خطة لاستخدام الذهب لكبح ارتفاع الدولار في السودان
مقترح عاجل لتحويل عائدات الذهب إلى أداة لتهدئة سوق الدولار
متابعات – عاجل نيوز
طرح الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال محمود صالح «الفاخر» مقترحاً عاجلاً للاستفادة من احتياطي الذهب وعائداته في الحد من ارتفاع الدولار بالسوق الموازي، في ظل الضغوط المتزايدة على الجنيه السوداني وتفاقم الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي.
وتقوم المبادرة، وفق التصور الذي طرحه صالح، على تدخل مرن وسريع في سوق الصرف، تقوده غرفة عمليات مشتركة تضم بنك السودان المركزي ووزارة المالية والجهات المختصة بقطاع الذهب والجمارك والتحويلات المالية.
ويرتكز المقترح على ثلاثة محاور رئيسية، أولها استخدام جزء محسوب من عائدات الذهب للتدخل في سوق الصرف والتأثير في حركة الدولار، بما يساعد على تخفيف الضغوط على العملة المحلية.
أما المحور الثاني فيتمثل في إطلاق أدوات ادخار مقوّمة بالذهب، بهدف توفير بدائل أمام المواطنين والمستثمرين الراغبين في حماية مدخراتهم من تراجع قيمة الجنيه، وبالتالي تقليل جزء من الطلب على الدولار كوسيلة للتحوط.
ويتمثل المحور الثالث في تشديد مكافحة تهريب الذهب، وضمان وصول أكبر قدر ممكن من عائداته إلى القنوات الاقتصادية والمصرفية الرسمية، بدلاً من خروجها خارج الدورة الاقتصادية للدولة.
واقترح صالح إنشاء ما سماه «غرفة عمليات الاستقرار النقدي»، على أن تمتلك صلاحيات تنفيذية تمكنها من اتخاذ قرارات التدخل في سوق الصرف خلال فترة زمنية قصيرة، بالاعتماد على متابعة يومية للفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.
كما يتضمن المقترح عدم الإعلان المسبق عن توقيت وحجم التدخلات، بهدف الحد من قدرة المضاربين على توقع تحركات السلطات واستغلالها لتحقيق أرباح سريعة على حساب استقرار السوق.
وفي جانب آخر من الخطة، دعا صالح إلى إنشاء وحدة متخصصة لاستيعاب تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، عبر توفير قنوات مصرفية رسمية تقدم أسعاراً تنافسية ورسوم تحويل منخفضة، بما يشجع المغتربين على إرسال أموالهم عبر النظام المصرفي بدلاً من السوق الموازي.
ويفترض التصور أن جذب جزء من تحويلات المغتربين إلى القنوات الرسمية يمكن أن يزيد تدفقات النقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي، ويقلل في الوقت نفسه من حجم السيولة التي تتحرك خارج النظام الرسمي.
وتقترح المذكرة، في حال وصول إنتاج الذهب إلى نحو 150 كيلوغراماً يومياً، توجيه الجزء الأكبر من العائدات لتمويل الواردات الاستراتيجية، مع تخصيص حصة مرنة للتدخل في سوق الصرف وفق مؤشرات محددة.
وبحسب المقترح، لا ينبغي تثبيت نسبة محددة من عائدات الذهب للتدخل في سوق الصرف بصورة دائمة، وإنما تتم مراجعتها بشكل دوري وفق تطورات سعر الدولار وحجم الاحتياجات الأساسية للدولة.
لكن الخطة تؤكد في جوهرها أن الذهب لا يمكن أن يكون علاجاً دائماً لأزمة الجنيه، وإنما أداة مؤقتة يمكن أن تمنح السلطات مساحة زمنية لتهدئة سوق الصرف وإعادة ترتيب السياسات المالية والنقدية.
ويرى المقترح أن الاستقرار المستدام يتطلب بالتوازي معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها خفض عجز الموازنة، وضبط المعروض النقدي، وزيادة الصادرات الرسمية، والحد من التهريب، إلى جانب إعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي.
ويكتسب النقاش حول الذهب في السودان أهمية خاصة بسبب الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه صادرات المعدن النفيس في توفير النقد الأجنبي، لكن الاستفادة الحقيقية منه تظل مرتبطة بقدرة الدولة على إدخال الإنتاج والعائدات في الدورة الاقتصادية الرسمية.
وبذلك، فإن جوهر المبادرة لا يتمثل في بيع الذهب لإنقاذ الجنيه بصورة مستمرة، وإنما في استخدام جزء من قوته النقدية لتخفيف الاختلالات الحادة في سوق الصرف، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية أوسع.
الخلاصة أن الذهب في السودان يمكن أن يمنح الاقتصاد هامشاً زمنياً لامتصاص صدمة الدولار وتهدئة السوق، لكنه لن يكون بديلاً عن الإصلاح المالي والنقدي وزيادة الإنتاج والصادرات. فاستقرار الجنيه يحتاج إلى حلول تعالج أسباب الأزمة من جذورها، وليس فقط التدخل في نتائجها.