من مكتب الجوازات إلى قلوب السودانيين.. قصة ضابط مصري ترك أثراً لا تنقله القرارات
متابعات – عاجل نيوز
من بين آلاف المعاملات التي تمر يومياً عبر مؤسسات الجوازات والإقامات في مصر، قد تمر أسماء كثيرة دون أن تترك أثراً، لكن تجربة العقيد خالد أبو داؤد بدت مختلفة بالنسبة إلى عدد كبير من السودانيين الذين تعاملوا معه خلال فترة عمله في جوازات الجيزة.
فالرجل الذي غادر موقعه إلى مهمة جديدة لم يغادر وحده، إذ بقيت سيرته حاضرة في ذاكرة مراجعين قالوا إنهم لمسوا منه أسلوباً مختلفاً في التعامل، جمع بين الالتزام بالقانون والاهتمام بالإنسان الموجود خلف المعاملة والملف.
وعرف السودانيون العقيد خالد بابتسامته وحسن استقباله وحرصه على الاستماع إلى المراجعين، خصوصاً أولئك الذين كانوا يحتاجون إلى شرح الإجراءات أو المساعدة في فهم خطوات المعاملات الرسمية.
وكانت المواقف الأكثر تأثيراً مرتبطة بالمرضى وكبار السن وذوي الإعاقة، إذ تروي شهادات متداولة أنه كان في بعض الحالات يغادر مكتبه ويتوجه بنفسه إلى الأشخاص الذين يصعب عليهم الحركة أو الصعود، ثم يجلس بجوارهم ويتابع إجراءاتهم حتى يحصلوا على الخدمة المطلوبة.
ومع اندلاع الحرب في السودان، اكتسبت مثل هذه المواقف الإنسانية معنى أكبر لدى السودانيين الموجودين في مصر.
فملايين السودانيين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد، بعدما تركوا منازلهم وأعمالهم وأقاربهم بسبب الحرب، ووصل كثير منهم إلى مصر محملين بالقلق والخوف وعدم اليقين بشأن المستقبل.
وفي مثل هذه الظروف، لم تكن المعاملة داخل المؤسسات الرسمية مجرد إجراءات وأوراق. أحياناً كانت ابتسامة موظف، أو شرح هادئ لإجراء معقد، أو كلمة طيبة من مسؤول، قادرة على تخفيف جانب من الضغط الذي يعيشه الشخص القادم من بلد أنهكته الحرب.
ومن هنا ارتبط اسم العقيد خالد أبو داؤد لدى بعض السودانيين بهذه الصورة الإنسانية.
ولم تكن تجربته منفصلة عن مواقف أخرى تحدث عنها سودانيون خلال سنوات الحرب، إذ وجد كثير منهم في عدد من الموظفين والضباط المصريين تعاوناً وتفهماً لظروفهم، داخل المؤسسات الحكومية والمستشفيات ومواقع الخدمات المختلفة.
وتحولت مصر بالنسبة إلى السودانيين خلال الحرب إلى أكثر من مجرد وجهة للجوء أو الإقامة، فقد أصبحت مساحة جديدة للحياة والعمل والعلاج والتعليم، وفيها التقى السودانيون بوجوه مصرية تركت مواقفها اليومية أثراً في حياتهم.
وفي إحدى المناسبات، وخلال حديثه عن الحرب وما خلفته من معاناة، عبّر العقيد خالد عن أمله في أن يعود السلام إلى السودان وأن يعود السودانيون إلى بلادهم آمنين، قبل أن يوجه لهم عبارة بقيت عالقة في ذاكرة من سمعها: أنتم إخواتنا.. ووجعكم وجعنا.
وبالنسبة إلى كثيرين، جاءت العبارة في وقت شديد الحساسية، لذلك لم تُقرأ باعتبارها مجرد مجاملة عابرة من مسؤول، وإنما كرسالة تضامن إنسانية مع أشخاص يعيشون آثار الحرب والغربة والنزوح.
وخلال فترة عمله، حظي العقيد خالد أبو داؤد بتكريمات وشهادات تقدير من جهات سودانية، تقديراً لما وصفه المكرمون بالتعاون وحسن التعامل والمساعدة في إطار القانون والإجراءات الرسمية.
وفي يناير الماضي، جرى تكريمه إلى جانب عدد من العاملين في جوازات الجيزة، في خطوة عكست تقديراً لما اعتبره سودانيون دوراً إيجابياً في التعامل مع السودانيين والوافدين وتسهيل الإجراءات أمامهم.
لكن المفارقة أن الرجل الذي اعتاد استقبال المراجعين خلف مكتبه أصبح اليوم هو نفسه موضوعاً لرسائل الشكر والامتنان.
فمع انتشار خبر انتقاله إلى مهمة جديدة، بدأ سودانيون يستعيدون تفاصيل صغيرة ربما لم يتوقع العقيد خالد نفسه أنها ستبقى في الذاكرة.
مريض وجد من ينزل إليه، وكبير سن وجد من يستمع إليه، ومراجع وجد من يشرح له إجراءاته بهدوء، وشخص وصل إلى مصر مثقلاً بوجع الحرب والغربة فوجد أمامه مسؤولاً يقول له ببساطة: أنتم إخواتنا.
لهذا، فإن الاحتفاء بالعقيد خالد أبو داؤد لا يبدو مرتبطاً بالرتبة أو المنصب بقدر ما يرتبط بسلوك إنساني يرى أن الالتزام بالقانون لا يتعارض مع الرحمة وحسن التعامل.
فالعمل الحكومي قد يفرض إجراءات وضوابط لا يمكن تجاوزها، لكن طريقة تنفيذ تلك الإجراءات تظل قادرة على صناعة فارق كبير في حياة الناس.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأبرز التي تركتها تجربة العقيد خالد: أن العلاقات بين الشعوب لا تصنعها البيانات الرسمية وحدها، وإنما تصنعها أيضاً التفاصيل اليومية الصغيرة، عندما يجد إنسان محتاج إلى المساعدة شخصاً آخر يمد له يده دون أن يتخلى عن واجبه أو مسؤوليته.
اليوم يغادر العقيد خالد أبو داؤد جوازات الجيزة وتتغير مهمته ومكتبه، لكن الأثر الإنساني لا ينتقل بقرار إداري.
فالملفات يمكن أن تنتقل، والمكاتب يمكن أن تتغير، والمناصب يمكن أن تتبدل، لكن المواقف التي تمس حياة الناس تبقى في الذاكرة طويلاً.
وربما لهذا السبب تحديداً ظل اسم العقيد خالد حاضراً لدى السودانيين الذين عرفوه، لا بسبب موقعه فقط، وإنما بسبب الطريقة التي اختار أن يؤدي بها ذلك الموقع.
ويبقى السؤال مفتوحاً: كم من موقف إنساني فعله ضابط أو موظف مصري مع سوداني خلال سنوات الحرب، وما زال حاضراً في ذاكرته حتى اليوم؟