عاجل نيوز
ليس الغريب أن يستقبل جمهور إحدى مدائننا الكريمة ضيفاً بمقام الرئيس ، لأنه اعتاد بجميل خصاله أن يكرم وفادة القادم اليه ، وينزله منازل الحفاوة ، وقد تم ذلك مراراً عبر تفاعلات الحياة ، لرؤساء أحزاب ، وولاة ، ومسئولين بمختلف الدرجات
ولكن الغريب أن يجيئ هذا الإحتفاء في ظُلل الحرب ، وأيام المَحَل ، وساعات العُسرة ، وظروف المسغبة ، حيث لبس الناسُ لباس الخوف ،
الذي غرسته حوافر خيل المغول ( الجنجويد) ، والجوع الذي نشب أظافره في البطون حتى اصفرّت الوجوه ، ونشر ( حميدتي) الموت والخراب ،
ونقض كل عهد مُوثق ، وقطع عُروة كل وصلٍ موثوق ، عمد الى المنظومات الحاكمة للأخلاق والمعاملات في حياة الشعوب ، فأخل بها ، وأبطل تأثيرها ، فاختلطت الأمور ، وغاب الرادع والقانون ، فذاق الناس الأمرّينِ .
حميدتي الهالك تحدى في تسجيلة قُبيل أيام تحدى البرهان عن أي شعبٍ يتحدث ( يقصد البرهان ) وأردف إن الذين هم مع البرهان إلا (زمرة المستفيدين ) وعَيّن هذه الفائدة بالدولار ومشتقاته ،
أما بقية الشعب غير المستفيد ، فهم في معية ( البعاتي ) يمشون في مواكبه ، يبادرون لتنفيذ أمره ، وينتظرون الخلاص على أيديه ، ربما للالهام الذي خُص به ،
والحكمة التي أُوتيها ، وبسطة العلم المَزِيدة عنده ، ومفاتحُ الخزائن التى تنؤ بها العصبةُ أولو القوة .
نعم ما يكاد صدى صوت تسجيل ( البعاتي ) يخفت حتى تهيأ الرد الحاسم العملي ، من جماهير مدن ( أم روابة ، وتندلتي ) وهي في غمرة ما تكابده من ويلات الحرب ،
وما تتداوله من أخبارها ، وما تتلقفه الألسن من مخاوف ، وآمال ، فإذا بأزير الطائرة ( الهليكوبتر) يكسرُ حاجز الصمت المطبق على الأرجاء ، يعلو كلما اقتربت ،
وتعلوا معها الرقاب تتطلع لهذه المفاجأة ، تُلوِّحُ بمراوحها كأنها ملاك يحفُ جناحه ، ليٌبلغ الخائفين عهدَ الأمان .
عندها ، انسلّ كل مٌضّجع وقام ، وانتبه كلُ غافل مستغرق ، ونفضت كلُ حُرةٍ يدها من ( عجين المطبخ على قلته ) وأطلت بوجه التساؤل عن النبأ ،
ترك الصغار مرتع اللعب وتوجهوا صوب الصفير ، الذي يعني لهم تحقق التواصل مع قيادة البلد ، وأنهم لم يعودوا ( نسيا منسيا ) .
الرجل الذي يصور بهاتفه ، يسعى بأنفاسٍ لاهثة ، ويردد ، نائب الرئيس ، نائب الرئيس ، كأعلى سقف في تخيُله ، وتوقعاته ، أن يأتي اليهم فارس من فوارس الجيش ،
فور تحرر المدينة وفك وثاقها من (حبال الجنجويد ) لم تَبلّ ريقها بعد ، ولم تُكمل احتضان صغارها ، ولم تنظر في المرآة لترى ماخطه ، سوطُ الجنجويد ،
من محاورَ الالم ، وأثر الكدمات في وجهها الجميل ، ولم تغسل أُذنيها بعد مما صبه هؤلاء ( الأوباش ) من سبٍّ وبذاءات تنمُ عن انحطاط مجبول .
وعندما استقرت الطائرة تماماً على الأرض ، وانقشع الغبار شيئاً فشيئاً ، وفٌتح الباب ، فُتحت معه أفواهُ المشهد كله بالدهشة ،فإذا ( الرئيس البرهان ) وعلا الصياح الهستيري ، و أُعلن الترحاب ، ورُفعت راياتُ التهليل والتكبير .
هذا المشهد أيها ( البعاتي) هو الرد الفصيح ، والحجة البالغة لالتفاف هذا الشعب كله ( عدا القحاطة بالطبع)
كله مع جيش بلاده ، ورئيس بلاده ، والشعب هو المستفيد فعلاً ، ليس بالمعنى التجاري الذي ملأ عليك عوالمك المادية ، ولكنها الفائدة القصوي ،
وهي ( الأمن والسلامة) هي ذهاب الخوف والجنجويد ، هي الإحساس بالإنتماء لهذا الوطن ، هي الحياة ، وحقن الدماء ، وستر العروض ، وحفظ الممتلكات ، هي كل ما يعنيه هذا وزيادة .
أنت ايها ( البعاتي) لا تدري مقدار الألم الذي سببته لأهل السودان ، الألم الذي ظل يداويه الجيش بقيادته ، يرد غوائله عن الشعب ( المستفيد ) .
إن هذه المعركة( الكرامة ) هي معركة المستفيدين من هزيمة الجنجويد ، مثل طفلات رفاعة اللائي تشبثن بأبواب عربة الجيش وهن باكيات يرددن في لوعة ( عليكم الله ماتمشوا تخلونا ، اقعدوا معانا نهااائي هنا )
مثل الطفل الأخدراني الممسح بالتراب ، الذي حمله الجندي وطمنه بأن الدعامة فاتو خلاص ، أعياه الكلام ، فترجم أحلى قبلة طبعها بشغف على خد الجندي كتعبير فطري عن مدى الإمتنان بالخلاص .
مثل أصوات النسوة اللائي يردد في أنفاس لاهثة ( الحمد لله ، الحمد لله ) بذهاب الأذي الجنجويدي عنهم .
مثل الشاب الذي بكي على كتف الجندي فرحا باللقاء .
مثل كل الإحتفالات البهية ، والكرنفالات الحاشدة لاستقبال فرسان الجيش والمشتركة والبراؤون ، والعمليات ، والعمل الخاص ، والمستنفرين ، والدراعة .
وإن تُحصي وتعد جملة المستفيدين من إنتصار الجيش فإنهم شعب السودان ، وأصدقاؤه ، وأحباؤه من الشعوب والضمائر الحرة .
أما غير المستفيدين فهم الدعامة المجرمين ، والقحاطة العملاء ، وشركاؤهم من الدول ، والحكومات ، ومنها ( عربية ) وواجهات الصهيونية ،
التي لم تعبأ بما يجري في السودان ، لم تُسرِي عنه ، ولم تواسي دمعه ، ولم تكلأ جراحاته ، إنما كانت تنتظر مصرع دولة 56 ، ثم تتنفس الصعداء .
إن ما أحدثته أم روابة وتندلتي ، من فرق ، سيكون له اعتبار في معادلات الحساب الوطني .
التهنئة بالانتصارات المباركة ، والتقدير للقيادة الحاضرة في الوقت المناسب.