عاجل نيوز
جبارة الجبارة
نزحوا إلى الخرطوم في السبعينيات، كان يومها صغيرًا لا يعي من “عقابه” سوى همسات الحكايا، وذكرى تُتداول بين الكبار عن موتٍ أو ميلاد.
لم يكن يفصح عن قبيلته، بل كان يخجل من ذكرها باعتبارها تؤدي إلى الرجعية ، يرى في انتمائه وصمة عارٍ أمام وهج المدينة، ويكتم في قلبه أنه “رفاعي” – من نسل الذين حكموا دولة السلطنة الزرقاء. بعد رحيل والده، توارت ملامح الوطن الصغير، ولم تعد للسيرة الأولى بقايا تُروى.
نال الدكتوراه من جامعة الخرطوم، وهاجر إلى أوروبا، حملته السنوات بعيدًا، حتى صارت الغربة مع الزمن طينًا جديدًا لجدران روحه. لكنه يومها أدرك شيئًا فادحًا: القطيعة مع الوطن أشد فتكًا من الجهل بالقبيلة.
ترك الأسرة الكبيرة في الخرطوم، وظل هو يتنقل بين عواصم الغربة. لم يدر أن الخرطوم ستنقلب، وأن من بقي هناك سيُدفع نحو الرحيل، نحو الجزيرة وبقية المدن … حيث كانت الطمأنينة مؤقتة، قبل أن يتمدد الغزو ليشمل مدنٌ أخرى .
اتصل بأهله ليطمئن، عرض عليهم السفر إلى القاهرة، لكنهم رفضوا. وجدوا في دفء القرية، في حضن العشيرة بولاية الجزيرة بقرية (…..)، ما لم تمنحه لهم المدينة في عقود. أعادهم ذلك البسيط من العيش إلى معنىً غائب، إلى إنسان نقي بلا زيف ولا تصنّع.
لكن الحرب لاحقتهم إلى الجزيرة، فهربوا نحو الشرق، وهناك كانت الأذرع ذاتها ممدودة، والقلوب التي شبّت على العشرة ما زالت تحفظ العهد. لم يُحرموا من شيء، وكأن امتداد القبيلة بات شبكة نجاة تحفّهم من كل سقوط.
فقال لي يومها، وصوته ممزوج بندمٍ هادئ:
كنا نتصور أن القبيلة رجعية، وتخلّف عن ركب التمدّن، لكننا كنّا مخدوعين. القبيلة التي تُؤنسك، وتحتويك، وتشدك من حافة الفقد… ليست عيبًا، بل شرف.
نعم، إنْ جعلناها سببًا للفتنة فهي بلاء، لكن إنْ عشناها بمروءة، فهي عزّ وسند.”
وأردف، وعيناه غارقتان في الغياب:
“المدينة، رغم كل صخبها، لم تُفلح في أن تعيدنا إلى جذورنا في وقت الرخاء، لأننا اعتقدنا أننا فوق ذلك، أن لنا عقلًا يغنينا عن الدم والقرابة…
ولكن حين انقطعت بنا السُبل، لم نجد غير هذا الحبل السُري الذي يصل القلب بالقلب، والدار بالدار.”
عادت أسرته بعد تحرير الجزيرة، تحمل الشوق والمعاناة، تحمل الحنين المتقد، وعهدًا جديدًا بألّا يُغلق باب من أبواب الأهل. عادت وقلوبهم مترعة بالوفاء، كأنها أدركت أن الزمان قد يدور، لكن العشيرة مهما يصيبها من (غياب) لا تخون.
وكان الوداع يومها بالدموع… دموع صنعتها الحرب، لكن خفّفها ظل القبيلة، ودفء الانتماء