عاجل نيوز
عاجل نيوز
آخر الأخبار
راتب الـ44 مليوناً وسر تغيّر سياسات البنك.. عادل الباز يرد على منتقدي آمنة ميرغني تطورات صادمة ... قبل بلوغ الدبة.. اعتقال قائد بارز بالمليشيا حاول تسليم نفسه للجيش دفاعاً عن آمنة ميرغني.. عادل الباز يرد على منتقدي راتب محافظ بنك السودان اعترافات مرتزق كولومبي تكشف طريق المقاتلين الأجانب إلى نيالا عمليات نصب واسعة تستهدف السودانيين في مصر عبر تطبيق «بنكك».. والإمساك بأحد المحتالين واسترداد الأموا... مسيرة انتحارية تستهدف منزل قيادي رفيع بالقوة المشتركة في الأبيض.. ونجاته بأعجوبة بأوامر من أدم قارح .. جـ ريمة مروعة في منطقة أم هجيليج بدار الزيادية .. تصـ.فية 11 شاباً من أبناء ال... الكتلة الديمقراطية في تصريح صحفي حاسم: لن نعود إلى الماضي تحت لافتة الحوار ولن نقبل بصفقات إعادة توز... صاحب سيارة «التوسان» يروي تفاصيل واقعة شارع النيل بأمدرمان ويكشف ملابسات الفيديو المثير للجدل مشروع عقبة ياس.. صراع النفوذ يكشف أزمات شرق السودان

ود جبارة يتأمل في مرايا الإنقاذ: ثلاثون عامًا بين الشعار والانهيار

ود جبارة يروي كيف مرت الإنقاذ من قريته: شهادات من الريف السوداني في ذكرى انقلاب 30 يونيو

 

 

 

جبارة ال جبارة

 

حين جاءت الإنقاذ في الثلاثين من يونيو 1989، لم أكن قد بلغت العقد الأول من عمري. لم أدرِ ما معنى انقلاب، ولا ما تعنيه كلمة “سلطة” حين تُنتزع بالقوة.
▪︎ حين جاء الانقلاب… كان الراديو مرجع الوعي الأول
كنت كغيري من أبناء الريف، نحيا على وتيرة السوق والمدرسة، ونرتحل مع الزمن ما بين الزراعة والرعي، لا نشغل رؤوسنا بما يحدث في الخرطوم، التي لا نعرف عنها إلا اسمها، ولا نفهم لماذا يختلف القوم على من يحكم.

أذكر جيدًا، ذاك الصباح الباكر الذي اجتمع فيه أهل القرية حول راديو جدي البشير أمام دكانه، “أطال الله في عمره”.
كان الراديو العتيق يصدر صوتًا مبحوحًا، لكن الجميع كان يصغي بكامل جوارحه، كما لو أنهم يلتقطون تفاصيل قدرٍ فُرض عليهم فجأة.

وجوههم كانت صامتة، وفي الصمت ما يشبه الدعاء، وفي العيون ما يشبه الخوف… لا من الحدث ذاته، بل من مآلاته المرتقبة على أحوالهم.

▪︎ من هو “زولنا من ود جبارة”؟
في ذلك الزمن، لم نكن نعرف “الحكومة”، بل نعرف “الناظر فلان”، و”العمدة فلان”، وشيخ القرية الذي لا يُردّ له أمر.

حتى إن أحدهم، من أهل الريف الشمالي لمدينة الشواك، صرخ بحماسة حين سمع اسم “عمر البشير”: (ده زولنا! من ود جبارة!).

وآخر، لا يقل حماسة، كان يردد أن صلاح البادية من الشواك، لمجرد أنه يُغني أغاني تُشبههم وتلامس وجدانهم، فظنه واحدًا منهم.

لم تكن تلك أحكامًا قائمة على معرفة أو تحقيق، بل كانت تعبيرًا بريئًا عن بساطة النظرة وحدود الإدراك، في زمنٍ لم تتجاوز فيه الخريطة حدود القرية، ولم تكن الوطنية تُقاس إلا بمدى قرب الصوت من القلب.

الناس في وطني بسطاء. طيّبون، يعيشون على الفطرة السليمة، لا يحملون في أذهانهم ثقل الانتماءات، ولا يعرفون غير الله وأرضهم والوجدان.

▪︎ الإنقاذ: من تحرير العقول إلى استهلاك الشعارات
وحين جاءت الإنقاذ، جاءت محملة بشعارات كبيرة، ووعود أكبر. حرّرت كثيرين من التبعية العمياء لحكومة السيدين، وفتحت بابًا للناس ليتساءلوا، يفكروا، وربما يحلموا.

لكنها الإنقاذ، ككل التجارب، حملت وجهي العملة. أفلحت في جوانب، وأخفقت في أخرى. وكان أسوأ ما فعلته، أنها طالت حتى أرهقتها الأيام، وتنازلت عن قيمها الأولى كما تتنازل الأشجار عن أوراقها في خريفٍ بلا وعدٍ بالربيع.

▪︎ كيف بدأ الخريف السياسي؟
ثم جاء الانفصال، وفُقد جزء عزيز من الوطن، كأنما اقتُطع من القلب، ومعه انهار اقتصاد كانت ملامحه تشي بإمكانية الإصلاح، لو أن الساسة صدقوا النية.

الإنقاذ، رغم ما قدمت، استنفدت عمرها، ككل شيء لا يُجدد روحه. أزاحت الصف الأول من قادتها، وقرّبت الولاء على حساب الكفاءة، فكان ذلك بداية النهاية.
ثلاثون عامًا من الحكم، كانت كافية لأن تُغري المغامرين، وتفتح أبواب الطمع، وتُشعل نيران الارتزاق، حتى وإن احترق بها الوطن.

▪︎ الوطن بين حلم الإصلاح وكارثة الطمع
في المقابل، نحن نمرّ على ذكرى ذلك اليوم، لا لنحتفل، بل لنتأمل ما كان، وما آل إليه حال وطنٍ كان يمكن أن يكون أجمل .

لولا طموح قائد المليشيا الذي أراد ابتلاع السودان بكامله، دون أن يقرأ تاريخ هذه البلاد، أو يتّعظ بمن مضوا في الدفاع عنها وكانوا عنواناً للثبات.

▪︎ حين حاول “الجنرال” رهن السودان لحكم العائلة
أراد أن يُرهن السودان لإرادة الخارج، ولحكم (العائلة)، وحين رفض أن يكون تابعًا لقيادته، قريبا لمن أوهمه بالملك الأبدي، مضى في إشعال حرب أتت على بنيته، وأهدرت مقدراته، ودفعت بكثير من أبنائه إلى أطراف الشتات.

▪︎ الدولة المقبلة: من يأخذ بيد الوطن؟
ومع ذلك، بقي الوطن صامدًا، وشعبه مقاومًا، لا يرى في الطريق سوى الدفاع عنه، إيمانًا بأن ما يُنتزع بالقوة، لا يُسترد إلا بالعزم والإرادة.

واليوم، تتكامل ملامح الدولة كما لو أنها تنتظر من يأخذ بيدها، من يؤمن بها إيمان المصلحين لا تجار الأزمات.
لكن… كيف يُرجى البناء، وسواقط الخراب ما تزال تمشي على الأرض، بأسمالٍ من الوطنية الزائفة، وتجاهر بعلاقاتها في وضح النهار، دون حياءٍ أو حساب؟

▪︎ الأزمة الحقيقية: نقص الإرادة لا الإمكانيات
تبقى الحقيقة المُرّة: أن هذا الوطن لا تنقصه الإمكانيات، بل تفتقره الإرادات.
وما لم ينهض له من يحبونه حب النجاة، لا حب المكاسب، فسنظل نُعيد سرد الحكاية ذاتها… بحروفٍ كلما كُتبت، نزفت.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.