عاجل نيوز
في خضم الصراع السياسي والعسكري الذي يعصف بالسودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، برزت العديد من الولايات كلاعبين فاعلين في مشهد الحرب والمفاوضات.
بعضهم بالسلاح، وآخرون بالتحالفات، فيما غابت ولاية الجزيرة عن المسرح، ليس لأنها لم تتألم، بل لأنها لم تبتز أحداً بـ”صوت البندقية”، ولم تُحسن المتاجرة بمآسيها.
الجزيرة، تلك الولاية الزراعية الغنية التي كانت يومًا ما سلة غذاء السودان، صارت اليوم عنوانًا للفجيعة المركّبة: اجتياح منظم من قبل مليشيا الدعم السريع .
نزوح جماعي قارب الخمسة ملايين مواطن، وتدمير ممنهج طال القرى والبنى التحتية، بما في ذلك مشروع الجزيرة نفسه، قلب الاقتصاد الزراعي الوطني.
ورغم هذا الثقل في المأساة، لم تجد الجزيرة لها موطئ قدم في قوائم التعيينات السياسية أو لجان المعالجات أو طاولات “الترضيات”. وكأن الدولة لا ترى فيها سوى صمتها، لا دماءها. وكأن شرط الظهور هو الصخب أو البندقية أو رفع شعار يبتز الحكومة.
أما هي، فقد اختارت أن تصمد بصمت، وتلملم جراحها على استحياء، بينما ينشغل المركز بترضية حاملي البنادق وتوزيع الغنائم السياسية.
من الهلالية إلى السريحة، ومن التكينة إلى المعيلق، نزفت الجزيرة في كل ناحية. مجازر لا تُعد، وانتهاكات يندى لها الجبين، وسط صمت دولي مريب وتجاهل مركزي أشد فداحة.
في الهلالية وحدها، سُفكت دماء الأبرياء في الشوارع، وتُركت الجثث تحت الشمس، بينما كانت منصات التفاوض تبحث عن مناصب لا عن العدالة.
الأدهى أن التدمير لم يتوقف عند القتل والترويع، بل امتد إلى تدمير مصادر الحياة ذاتها. تم نهب المحاصيل والآليات الزراعية، وتحطيم معامل إنتاج الأنسجة النباتية، بل وذهب الحقد إلى كسر الترع وإغراق القرى، في مشهد يُشبه العقاب الجماعي لا أكثر.
في المقابل، ورغم هذا التهميش، لم تكن الجزيرة بلا صوت. ظهرت كيانات محلية جديدة خرجت من رحم المحنة، مثل “درع السودان” و”الصندوق الأسود”.
يقودها ضباط سابقون وشخصيات اجتماعية بارزة مثل العميد محمود ود أحمد، والطيب جودة، ومعمر موسى، وعبد الله جماع، وغيرهم، ساعين لاستعادة كرامة الجزيرة والدفاع عنها في غياب تام للدولة.
وعلى الصعيد المدني، برز مؤتمر الجزيرة كمنصة تعبيرية سياسية وقانونية تعكس رؤية أبناء الولاية في إعادة البناء والمحاسبة، وتقديم مطالب مشروعة تتعلق بالتنمية.
والعدالة الانتقالية، وحقوق النازحين، لكن هذه الأصوات لم تلقَ أي صدى لدى السلطة المركزية، التي تواصل تجاهلها الممنهج لما يجري خارج دائرة النفوذ والسلاح.
يطرح هذا الواقع أسئلة ملحّة: لماذا تُكافأ بعض الولايات بالمناصب رغم أنها شاركت في خراب البلاد، وتُعاقب أخرى بالصمت لمجرد أنها لم تصرخ؟ هل معيار الشراكة الوطنية بات يُقاس بقدرة الولاية على إثارة الفوضى أو تهديد العاصمة؟
العدالة السياسية تقتضي أن تكون ولاية الجزيرة في مقدمة أولويات حكومة الأمل، لا في ذيلها. لا منّة في تعويض الضحايا، ولا مجاملة في إسناد الحقوق لأصحابها، خصوصاً حين تكون الولاية قدّمت ما لم تُقدّمه سواها من صبرٍ وتحمّل ومعاناة.
إن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تتم عبر المحاصصات أو الترضيات الانتقائية، بل بإعادة تعريف مَن يستحق أن يُسمع له، وأن يُرد له اعتباره.
والجزيرة – بأرضها وناسها وشهدائها – تستحق أن تكون أول من يُذكر، لا أن تبقى “ولاية المنكوبين التي لا يذكرها أحد”.