كيف ضاع تحرير مليط وفك الحصار عن الفاشر | فرصة…. حين اختلّ ميزان القرار
دارفور: كيف ضاعت فرصة فك حصار الفاشر رغم الجاهزية
قوة ميدانية حاضرة وقرار غائب أعاد رسم معركة الشمال
تقرير – هيثم البوص
استنادًا إلى التجارب الميدانية السابقة، وبالرجوع إلى معطيات الوضع العملياتي وتموضع القوات في محاور دارفور، كانت الفرصة متاحة وبشكل واقعي لتحرير مليط والتقدم مباشرة نحو مدينة الفاشر وفك الحصار عنها. لم تكن المعادلة العسكرية آنذاك معقدة، بل كانت تميل بوضوح لصالح القوات المتمركزة في الميدان.
غير أن القرار، في تلك اللحظة المفصلية، لم يكن عسكريًا خالصًا. إذ اختارت الجهات المعنية مسارًا آخر، خرج عن منطق اللحظة وسقف الممكن، وفضّل الانتظار على الحسم، رغم أن شروط النجاح كانت قائمة ومكتملة.
لسنا هنا بصدد النبش في الماضي، لكن من الضروري التذكير بأن ما جرى لاحقًا لم يكن وليد الصدفة. فبعد تمركز الجيش والقوة المشتركة شمال مليط،.
وعلى مسافة لا تتجاوز أربعين كيلومترًا، بدأت سلسلة ممنهجة من عمليات الاستدراج والاختبار، هدفت إلى استنزاف الجهد، وتشتيت التركيز، وكسر الإيقاع العملياتي.
كانت تحركات محسوبة، تُدار بصبر وتُغلف بضباب تكتيكي كثيف، في محاولة واضحة لإفراغ ذلك التمركز من قيمته الاستراتيجية، وتحويله من فرصة حسم إلى عبء استنزاف.
ورغم وضوح المؤشرات، ورغم أن مسرح العمليات كان يطلق تحذيراته الصامتة، ظل التعاطي مع الواقع أسير التقديرات السياسية والرهانات المؤجلة، لا مقتضيات الميدان وحتميات الزمن القتالي.
وهنا تتكشف المفارقة الكبرى: قوة حاضرة، جاهزية قائمة، وهدف استراتيجي في المتناول، يقابلها تردد في القرار وتأجيل في الحسم، ما فتح مساحات زمنية استغلتها المليشيا لإعادة التموضع، وفرض معادلات جديدة، والانتقال من موقع الدفاع إلى إعادة تنظيم الهجوم.
ما حدث لم يكن إخفاقًا ميدانيًا بقدر ما كان اختلالًا في ميزان القرار. ففي الحروب، الفرص لا تُهدى مرتين، ومن يتأخر عن اقتناصها، يجد نفسه لاحقًا يقاتل في ظروف أشد قسوة، وبكلفة أعلى، وعلى أرض اختارها الخصم لا هو.
نتابع