مشاهد من داخل السد تكشف واقعاً مختلفاً وجهوداً سودانية خالصة
متابعات – عاجل نيوز
هاجر سليمان تكتب
في قلب سد مروي، حيث تتقاطع التحديات مع الإرادة، لم تكن الزيارة مجرد جولة عابرة، بل محاولة لاكتشاف الحقيقة وسط ضجيج الشائعات. هناك، لم نترك زاوية إلا ووقفنا عندها، ولم نغادر موقعاً دون أن نبحث فيه عن إجابة واضحة لما يُثار حول هذا الصرح الحيوي.
المفاجأة لم تكن في حجم الدمار فقط، بل في هوية من يقفون خلف استمرار العمل. لم نجد فرقاً أجنبية ولا خبراء مستوردين، بل وجدنا شباباً سودانيين خالصين، يعملون بإصرار نادر، وكأنهم في سباق مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. مهندسون وفنيون وعمال، جميعهم يتحركون كخلية نحل، يواجهون التحديات بقدرات محلية خالصة.
ما يلفت الانتباه أن هؤلاء لا يعملون في ظروف طبيعية، بل وسط نقص حاد في الإمكانيات وتأخر في الحقوق، ومع ذلك لم يتراجعوا. دافعهم الوحيد هو الإحساس بالمسؤولية تجاه وطن يمر بواحدة من أصعب مراحله.
في داخل السد، لم تكن الهندسة مجرد تطبيق للكتب، بل اجتهادات وابتكارات صنعت حلولاً من العدم. تمكن المهندسون من تصنيع وتوليف قطع غيار محلياً، كانت تُستورد بتكلفة عالية وزمن طويل، وهو ما وفر مبالغ كبيرة وساهم في استمرار الإمداد الكهربائي رغم الضربات التي تعرضت لها البنية التحتية.
وبحسب ما رصدته هاجر سليمان داخل المتن، فإن عدد المهندسين لا يتجاوز 32 مهندساً، في وقت يحتاج فيه السد إلى أكثر من 50، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي يعملون تحته. ورغم ذلك، نجحوا في صيانة مئات المحولات، وإعادة تشغيل أجزاء مهمة من الشبكة.
المشكلة الأساسية لم تعد فنية فقط، بل مالية بالدرجة الأولى. قطاع الكهرباء يحتاج إلى تمويل عاجل ليتمكن من استعادة عافيته، خاصة في ظل تدمير واسع للمحطات والمصانع وورش الصيانة، إلى جانب صعوبة استيراد قطع الغيار.
ورغم هذه الظروف، فإن ما يجري داخل سد مروي يبعث برسالة واضحة: الكفاءات السودانية قادرة على المواجهة، إذا توفرت لها الإمكانيات. فالتحدي الحقيقي ليس في غياب الخبرات، بل في نقص الدعم.
في المقابل، تتواصل محاولات استهداف القطاع، ليس فقط عبر الهجمات، بل أيضاً عبر الشائعات التي تهدف إلى إضعاف الثقة وبث الإحباط وسط المواطنين. إلا أن الواقع على الأرض يقول غير ذلك؛ هناك عمل مستمر، وجهد متواصل، وإصرار على تجاوز الأزمة.
في النهاية، يبقى الأمل معقوداً على أولئك الشباب الذين يعملون بصمت، وعلى قدرة الدولة في دعمهم وتمكينهم من أداء دورهم. فالكهرباء يمكن أن تعود أقوى مما كانت، إذا توفرت الإرادة والتمويل.