الكاتب يهاجم تجارة “الورّاقة” والإعفاءات الجمركية غير الرشيدة ويؤكد: أزمتنا ليست في “البسكويت” بل في قنوات رسمية طاردة
متابعات –عاجل نيوز
يطرح الكاتب والمحلل الاقتصادي مهند عوض محمود، في مقال تحليلي عميق وجريء عبر موقع “المحقق” الإخباري، التساؤل الجوهري والأكثر إلحاحاً الذي يشغل عقل الدولة والمواطن السوداني على حدٍ سواء: كيف يمكن لبلد ينتج نحو سبعين طناً من الذهب سنوياً،.
ويتربع على عرش إنتاج الصمغ العربي، والماشية، والسمسم، والفول السوداني، ويمتلك خلف حدوده ملايين المغتربين الذين يضخون مدخراتهم حول العالم، أن يعيش أزمة دولار مزمنة وخانقة؟.
وكيف يبدو هذا الاقتصاد الثري وكأنه يعاني من شح دائم وجفاف مستمر في النقد الأجنبي، بينما يواصل الجنيه السوداني رحلة تراجعه التاريخية، وتعجز البنوك الرسمية تماماً عن تلبية طلبات المستوردين، ليتحول السوق الموازي إلى البنك الحقيقي والمتحكم الفعلي والوحيد في تحديد سعر العملة؟
ويؤكد الكاتب أن هذا السؤال المصيري لا يمثل مجرد شكوى عابرة لمواطن يقف حائراً أمام نوافذ الصرافات، ولا أنين تاجر يبحث عن بضعة دولارات لتمويل شحنة استيراد، بل هو سؤال وجودي يخص كيان الدولة السودانية بأكملها.
فالقيمة النظرية لإنتاج سبعين طناً من الذهب، وفقاً للأسعار العالمية السائدة اليوم، تقترب من حاجز العشرة مليارات دولار سنوياً، وهي كفيلة بإنعاش أي اقتصاد منهك، دون حساب بقية الصادرات الزراعية والحيوانية والتحويلات الخارجية.
ومع ذلك، تشير الأرقام الرسمية الصادمة لعام 2025 إلى أن الصادر الفعلي عبر القنوات الرسمية لم يتجاوز 14.7 طن فقط، بعائد قارب 1.5 مليار دولار، مما يفتح الباب واسعاً أمام فجوة هيكلية مرعبة تفرض سؤالاً لا مفر منه: أين يذهب ما تبقى من ذهب السودان؟
ويشخص المقال العلة الأساسية بأن السودان لا يعاني من معضلة في حجم الإنتاج، بل من ضعف فاضح في السيطرة على المورد المنتج؛ إذ يتسرب ما بين نصف إلى ثلثي الذهب خارج القنوات النظامية للدولة،.
مما يشكل نزيفاً هيكلياً مستمراً للنقد الأجنبي، لأن كل كيلوغرام يُهرب يعني ببساطة دولارات تذهب لإنعاش اقتصادات أخرى ولا تدخل في الدورة المصرفية الوطنية.
ويرفض الكاتب فكرة “احتكار الدولة” كحل للأزمة، معتبراً أن الاحتكار في غياب الشفافية الكاملة ينقل المشكلة من تهريب فردي إلى غموض مؤسسي أكبر،.
بل يرى الحل في جعل القنوات الرسمية أكثر جاذبية وأماناً من التهريب عبر الشراء بأسعار منافسة وقريبة من السعر العالمي مع سرعة ومرونة في الإجراءات والتحصيل.
وينتقد محمود السياسات الحالية للبنك المركزي التي تمنع المصارف من تمويل الذهب خوفاً من المضاربة وسحب السيولة من قطاعات الإنتاج كالزراعة والصناعة. ويرى أن هذا المنع يحتاج إلى مراجعة فورية، فمنع البنوك يترك الساحة خالية لتمويل الوسطاء، والكاش، .
والقطاع غير المرصود في السوق الموازي؛ بينما التمويل المصرفي المنظم والمشروط بإعادة الحصائل كفيل بتحويل تجارة الذهب إلى أداة رقابة حقيقية تجعل عمليات الصادر قابلة للتتبع والتنظيم.
كما حذر الكاتب من تداخل الأدوار ودخول شركات حكومية أو شبه حكومية إلى سوق الموارد الاستراتيجية والصادر دون أعلى درجات الشفافية، مما يفقد السوق عدالة المنافسة ويدفع برأس المال الوطني للبحث عن مخارج بديلة وهاربة.
وسلط المقال الضوء على واحدة من أخطر الظواهر الاقتصادية الصامتة والمدمرة في البلاد، وهي تجارة مستندات الصادر والوارد المعروفة شعبياً بـ (الورّاقة)، .
حيث يقوم أشخاص لا علاقة لهم بالزراعة أو التصنيع بالمتاجرة في الأوراق والشهادات الرسمية، لتتم عمليات المقاصة وتسوية الالتزامات المالية بالكامل خارج الحدود السودانية دون أن تتحرك الأموال أو حصائل الصادر عبر الجهاز المصرفي بالداخل. وهذا يعني باختصار أن “البلد يصدر.. لكن الدولار لا يدخل”،.
وهي الصورة الأبشع للنزيف المقنن الذي يستنزف خيرات السودان دون أدنى فائدة تعود على خزينته العامة أو تدعم قيمة عملته الوطنية المنهارة.
ولم يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل امتد ليشمل سياسات الإعفاءات الجمركية غير الرشيدة الممنوحة لبعض الأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة المحدودة،.
مستشهداً بمصانع درفلة الحديد التي تستهلك ملايين الدولارات لاستيراد المواد الخام بينما يقتصر دورها على إعادة تشكيل المنتج للسوق المحلي دون إحداث نقلة تقنية عميقة أو فتح أسواق للتصدير، مما يحول الدعم الجمركي إلى باب لاستنزاف النقد الأجنبي.
وفي ذات السياق، قلل الكاتب من الأثر الفعلي لقرارات رئيس الوزراء الأخيرة القاضية بحظر استيراد بعض السلع، مؤكداً أن أزمة الدولار واقتصاد الذهب في السودان ليست أزمة بسكويت وشوكولاتة، .
بل هي أزمة ثقة مفقودة وسياسات طاردة تدفع المصدر والمغترب والمستورد للارتماء في أحضان السوق الموازي باعتباره الخيار الأكثر ربحاً وعقلانية.
واختتم مهند عوض محمود مرافعتoffset الاقتصادية بالتأكيد على أن الحلول ليست مستحيلة ولا غامضة، وتكمن في مصفوفة إنقاذ واضحة: إصلاح سوق الذهب بسياسة منافسة مرنة، فتح التمويل المصرفي المقيد بالصادر، إخضاع الشركات الحكومية للشفافية المطلقة،.
ضرب شبكات “الورّاقة” ومقاصات الخارج، ربط الإعفاءات الجمركية بحجم الوظائف والعملة الصعبة التي توفرها، وإعادة بناء الثقة المهتزة في الجهاز المصرفي؛ ليصبح السؤال القادم مبنياً على الإنتاج والاستقرار، بدلاً من تكرار السؤال العاجز: أين تذهب دولارات السودان؟